لأهميتها الثقافية والبيئية.. جهود قطرية لإنقاذ صغار "أبقار البحر" وإعادتها لبيئتها الأصلية

قطر تبذل جهودا كبيرة للحفاظ على الكائنات المهددة بالانقراض (الجزيرة)
قطر تبذل جهودا كبيرة للحفاظ على الكائنات المهددة بالانقراض (الجزيرة)

يرتاد الرحال والناشط البيئي خليفة الحميدي الشواطئ القطرية بصورة مستمرة ضمن رحلاته البرية والبحرية، في إطار سعيه لرصد الحياة البيئية وتعزيز تنوعها الحيوي.

ويوثق الحميدي مجموعة من الفيديوهات المنشورة على حسابه الشخصي في مواقع التواصل الاجتماعي وأحد الحسابات الأخرى الذي يعتبره واجهة نشاطه لحماية البيئة في قطر، وتظهر الفيديوهات توثيقه للعديد من العمليات التي أسهم من خلالها في إنقاذ أبقار البحر التي أصيبت بالجنوح.

تطوّع الحميدي من أجل حماية البيئة في بلاده منذ تأسيس الهيئة المخصصة لذلك، ويعمل على توثيق بعض اللحظات المميزة له بشكل خاص.

وأوضح أن أول حالة جنوح لعجل تم العثور عليه كانت في الأسبوع الأول من شهر يوليو/تموز الماضي، وأنه خلال شهر واحد أبلغ عن 3 حالات لجنوح صغار أبقار البحر في منطقة خور العديد الواقعة جنوب قطر، وهي محمية طبيعية ومنطقة سياحية.

ووجه الحميدي رسالة إلى السكان والزوار للشواطئ القطرية لمساعدة الدولة وتعزيز جهودها في الحفاظ على البيئة البحرية من التهديدات التي تنذر بعواقب وخيمة، موضحا أن المساعدة أمر أساسي في المحافظة على التوازن البيئي.

وأضاف "رسالتي إلى المجتمع، كل كبد رطبة فيها أجر وصدقة تحسب من الله سبحانه وتعالى".

وشكر الحميدي كل من ساعده على إنقاذ "عجول البحر" من زملائه وغيرهم، معتبرا أن وقوفهم معه كان له الأثر البالغ في إنقاذها.

وفي وقت سابق أعلنت وزارة البيئة والتغير المناخي عن اتخاذها الإجراءات الضرورية لنقل مجموعة من صغار "أبقار البحر" إلى منطقة فويرط -مشروع السلاحف البحرية-، وأنه تم توفير أحواض مجهزة للصغار وتقديم الرعاية والإسعافات الأولية لها للتأكد من سلامتها.

جهود قطرية

يأتي إنقاذ صغار أبقار البحر في ظل الجهود التي تبذلها دولة قطر للحفاظ على الكائنات المهددة بالانقراض التي تتخذ من المناطق البحرية للدولة أماكن آمنة لعيشها بسبب وفرة الأعشاب البحرية بها التي تعدّ الغذاء الرئيس لها، ومن ذلك أبقار البحر التي تضم دولة قطر ثاني أكبر تجمع لها على مستوى العالم.

والأطوم (أبقار البحر) من أنواع الثدييات التي عاشت في المياه القطرية أكثر من 7500 عام، ويصل طوله إلى 3 أمتار، ويزن نحو 400 كيلوغرام، ويعيش حتى 70 سنة، وهو شبيه الدولفين أو الفقمة من حيث اللون الرمادي، وهو نباتي يتغذى فقط على الأعشاب البحرية.

وزارة البيئة والتغير المناخي القطرية تتخذ العديد من الإجراءات لإعادة صغار بقر البحر إلى بيئتها الأصلية (الجزيرة)
وزارة البيئة والتغير المناخي القطرية تتخذ العديد من الإجراءات لإعادة صغار بقر البحر إلى بيئتها الأصلية (الجزيرة)

قوانين صارمة

تلد الأطوم عجلًا واحدًا بعد حمل يدوم عامًا، وتساعد الأم صغارها على الوصول إلى السطح، لتأخذ أنفاسها الأولى، وتبقى الصغار مع أمهاتها ما يقارب 18 شهر، وتعتمد عليها بالكامل.

هذه الحيوانات الضعيفة تشكل هدفًا سهلًا للصيادين في المناطق الساحلية، وطالما سعى البشر لصيدها والحصول على لحمها وجلدها وأسنانها، كما أن العوامل الطبيعية والعواصف وحركة التيارات البحرية القوية قد تؤدي إلى فصل العجل عن أمه، ومن ثم يكون فريسة سهلة للصيادين أو يموت على الفور بسبب عدم قدرته على الاعتماد على نفسه.

وأصبح بقر البحر محميا بالقانون في جميع أنحاء العالم، لكن في عدد من البلدان ذات القوانين الضعيفة لا يزال في وضع حرج من حيث الحماية، أما في دولة قطر فتحمي القوانين الصارمة تجمعات أبقار البحر وتمنع أي شكل من أشكال التعدي عليها.

وتتخذ وزارة البيئة والتغير المناخي الإجراءات المطلوبة لإنقاذ أي من صغار البحر التي تنفصل عن أمهاتها، وتقديم المساعدة لها، وإرجاعها لبيئتها الأصلية بعد الاعتماد على نفسها، كما أن "بقرة البحر" من الثدييات الكبيرة التي تحمل أهمية ثقافية وبيئية بخاصة في قطر وقد اختيرت لتكون "التميمة" الرسمية لمتحف قطر الوطني.

رعاية خاصة

بدأت جهود دولة قطر مبكرا لحماية أبقار البحر، وإجراء الدراسات عليها، ورصد أماكن تجمعاتها في منطقة دخان وبحر سلوى وسلين وخور العديد، كما أولت الدولة جهودا استثنائية لحماية صغار أبقار البحر التي تجنح إلى الشاطئ وتنفصل عن أمهاتها بسبب العوامل الطبيعية.

وفي هذا الصدد، يقول مدير إدارة تنمية الحياة الفطرية بوزارة البيئة والتغير المناخي القطرية محمد أحمد الخنجي إن الوزارة تخطط للاحتفاظ بصغار بقر البحر حتى تتأكد من إمكانية اعتمادها على أنفسها، ومن ثم تعيد إطلاقها في بيئتها الأصلية وأماكن تجمعها في دولة قطر.

ولفت الخنجي، في تصريح للجزيرة نت، إلى أن فريقا من المتخصصين والأطباء البيطريين ومختصي التغذية يشرف على الاعتناء بصغار أبقار البحر على مدار الساعة، وتتوفر لها كل وسائل الراحة والأمان في الأحواض المائية، في منطقة مغلقة بالكامل وبعيدة عن أي نشاط بشري.

الخنجي يؤكد أن وزارة البيئة تضع قيودا صارمة لحماية صغار بقر البحر (الجزيرة)
الخنجي: فريق طبي يشرف على صغار أبقار البحر على مدار الساعة (الجزيرة)

توازن البيئة البحرية

ويشدد مدير إدارة تنمية الحياة الفطرية بوزارة البيئة القطرية على أن الوزارة تضع قيودا صارمة على الوصول إلى منطقة الأحواض، وتحرص على التقيد بإجراءات السلامة والصحة في منطقة الأحواض وعدم إزعاج صغار البحر، والإشراف على الحالة الصحية لها وتغذيتها من قبل مختصين في المجال.

من جانبه، يقول الدكتور محمد السيد -اختصاصي بيئي أول بوزارة البيئة والتغير المناخي- إن أبقار البحر توجد في أستراليا والخليج العربي وأجزاء من البحر الأحمر والساحل الشمالي والشرقي لشرق أفريقيا وسريلانكا والهند وإندونيسيا وجزر المحيط الهادي، لافتا إلى أن أستراليا تحتضن أكبر عدد من أبقار البحر، تليها دولة قطر إذ تعدّ مدينة دخان موطنا رئيسا لتوالد الأطوم وكذلك في المناطق الشمالية الغربية والمناطق الجنوبية قرب العديد وفشت الحديد وجزيرة العالية.

محمد السيد يقول إن هناك العديد من العوامل التي تهدد حيوان بقر البحر (الجزيرة)
محمد السيد يقول إن هناك العديد من العوامل التي تهدد حيوان بقر البحر (الجزيرة)

ويؤكد السيد، في تصريح للجزيرة نت، أن دولة قطر تولي أهمية بالغة لحماية الكائنات المهددة بالانقراض، ومنها أبقار البحر، لما تشكله من أهمية كبيرة في توازن البيئة البحرية، وقد بدأت الدراسات عليها في دولة قطر مبكرا، ورُصد تجمع لأكثر من 600 بقرة بحر في منطقة عشيرج في موسم تجمع أبقار البحر، وكذلك رُصدت تجمعات أخرى في جزيرة العالية وبحر سلوى ومناطق أخرى بالدولة.

وأشار إلى أنه لدى جنوح صغار أبقار البحر فإنها تحظى بالعناية والتأكد من قدرتها على العيش والاعتماد على نفسها، ومن ثم يعاد إطلاقها في مناطق تجمعها بالدولة.

ويوضح أن أبقار البحر تكتسي أهمية عالمية، وتصنف من الحيوانات البحرية المهددة بالانقراض، وتعدّ آخر الأنواع الحية المتبقية من فصيلة الأطومات، وقد سجل لها وجود في الحفريات القديمة بالخليج العربي منذ آلاف السنين.

ويشير الاختصاصي البيئي إلى أن التهديدات التي تتعرض لها أبقار البحر تتمثل في العوامل البشرية وكذلك في العوامل الطبيعية في البحر، مؤكدا أن من أكثر العوامل المهددة لها فصل صغارها عن الأمهات؛ فذلك يجعلها ضحية سهلة لأي صياد أو تخرج من البحر وتموت، ولأن الأنثى تلد عجلا واحدا فقط كل عامين فإن تعرض العجول للمخاطر يؤدي إلى انقراض هذه الحيوانات المهمة على نحو تدريجي.

وينوّه إلى أن دولة قطر تبذل جهودا مضنية للحفاظ على صغار العجول، وتجهيز أماكن ملائمة لتربيتها والاحتفاظ بها المدة الزمنية اللازمة، ومن ثم إعادة إطلاقها في البحر في أماكن تجمعاتها.

المصدر : الجزيرة