بعد سنوات عجاف.. "نساء المشمش" يستقبلن المحصول بفرحة الأعياد

بعد سنوات عجاف.. نساء المشمش يستقبلن المحصول بفرحة الأعياد مصر الجزيرة
سيدات مصريات يحصدن محصول المشمش (الجزيرة)

لا تزال سيرة نورا تتكرر على ألسنة أهل القرية، ولا يزال موسم المشمش موعدا سنويا للتذكير بالسيدة التي حرمتها الأرض من طرح المشمش منذ عامين، فلجأت للعمل خادمة في منازل القاهريين، وكلفها جهاز ابنتها استدانة مبالغ طائلة من أصحاب معارض التقسيط، وجاءت النهاية كما لم يتوقعها أحد، فقد مرضت نورا ولن تكفل لها صحتها تسديد ما استدانته، فكانت الكارثة الكبرى التي أودت بها إلى السجن وفاء لديونها ثمن الحياة الجديدة لابنتها التي ربما تودع فيها عمرا يستند إلى الفاكهة المخملية.

تاريخ المشمش في قرية العمار

شجرة المشمش -التي عرفها المصريون منذ عهد محمد علي ولا يعرف أهالي قرية العمار سواها منذ أن حطت جذورها في أرض القرية التابعة لمحافظة القليوبية- علقوا عليها أمنياتهم وزيجاتهم وأحلام الصبايا وحتى مواقيت الجنازات، فكان أهل القرية إن مات لهم قريب لا يرفعون أصواتهم بالبكاء عليه إلا بعد رحيل الشمس والتأكد أن جامعي المشمش قد أنهوا مهامهم في اليوم وباتوا قادرين على توديع الراحلين، فيقولون "الميت جنازته تنتظر، لكن المشمش لا ينتظر أحدا".

اللون الذي يشبه الشمس في سطوعها يغطي أشجار قرية العمار، يعدهم بأن هذا العام سيكون جراء الاختلافات في درجات الحرارة هينا على المحصول الذي ينتظرونه وتشتهر به قريتهم، فرحين أنه لن تذهب نورا جديدة ضحية المحصول الذي أكلته الشمس، وأن التذبذب الذي شهدته بعض أيام الموسم بين الحرارة الشديدة في النهار وانخفاضها في الليل لم يقض على خير الموسم كله، لكن مع كل هذا كان على صباح أن تبحث عن مزروعات أخرى لا تخاف عليها من الشمس، الجزيرة نت قضت يوما مع أهالي قرية العمار وهم يستقبلون حصاد محصولهم الوحيد.

شجر بلا مشمش وصباح بلا حياة

تعيش صباح وأبناؤها السبعة على خير المحصول الذي تعمل فيه الأسرة بأكملها، الرجال يزرعون ويجمعون، وتتولى الأم والبنات التعبئة والبيع "الحياة صعبة، والمشمش كان ييسرها علينا كل موسم، لكن الحال تغير الآن".

تسعى صباح لإتمام زيجة ابنها التي تأجلت لعامين متتاليين بسبب المحصول الذي حرقته درجات الحرارة، هذا العام كان الأمر مختلفا، الشمس تركت لهم مشمشهم، لكنها كانت تعدهم بالبرد كل ليلة، وتقول "كنت أسهر كل ليلة أنا وأبنائي في الأرض، أوقد النار في جوانب المحصول حتى أخفف أثر البرودة الليلية في أوقات كان من المفترض أن تكون ثابتة على درجة حرارة واحدة تساعد على إنضاج المحصول"، الليلة الوحيدة التي أمّنت فيها صباح لدرجة الحرارة استيقظت في الصباح لتجد المشمش على الأرض.

يحتاج محصول المشمش لدرجات حرارة متوازنة، فالشمس الحارقة تأكله والبرودة تضمر حباته فتسقطها قبل أوانها، وفي السنوات العشر الأخيرة تأثر محصول المشمش في العمار لعدة أسباب، مما كان له أثر كبير على إنتاج القرية، من بينها زراعة المشمش في الصحراء المستصلحة، وزراعة أنواع جديدة من الشجر في مناطق أخرى تعطي إنتاجية أفضل وبتكلفة أقل، ويأتي التغير المناخي على مصر ليكون السبب الذى قطن ظهر البعير، وتذبذب درجات الحرارة بين الارتفاع الشديد أو الانخفاض غير المتوقع في موسم الجمع أفقد العمار سمعتها بكونها قرية المشمش وخلا طريقها من كراتين المشمش الذي تشتهر ببيعه على طريق بنها الحر.

***فقط للاستخدام الداخلي*** بعد سنوات عجاف.. نساء المشمش يستقبلن المحصول بفرحة الأعياد مصر الجزيرة
يحتاج محصول المشمش لدرجات حرارة متوازنة فالشمس الحارقة تأكله والبرودة تضمر حباته فتسقطها قبل أوانها (الجزيرة)

حكيم العمار يروي قصة المشمش

من أقصى القرية جاء السيد عبد الوهاب يرتدي زي الفلاح الفصيح، لديه من الخبرة ما يمكنه من أن يكون لسان قريته ومرجعيتها في حل المشاكل والأزمات، يعقد الجلسات العرفية لرد المطلقة والإصلاح بين المتخاصمين وإنهاء العداوات، يفعل أهالي العمار مثلما يفعل، فهو القدوة والخبرة التي يأتمنها الجميع.

يعرف السيد أن التغير المناخي هو السبب في ما آلت إليه أحوال شجرة "فاطمة"، هكذا كانت تسمى شجرة المشمش الأم، الإرث الباقي من أشجار محمد علي، بقي اسمها وغابت ثمارها.

لا يجيد السيد القراءة ولا الكتابة، لكنه متابع جيد لنشرات الأخبار وبرامج التلفزيون وندوات الجمعية الزراعية، في حياته مر عبد الوهاب على أراض عدة، في العمار وبني سويف والنوبارية والصعيد الجواني، يفتخر بكونه يعرف حبات رمال مصر حبة حبة، وأن كل هذه المساحات من أراضي مصر ليس فيها حبة مشمش تستطيع أن تقف في مقارنة مع مشمش العمار .

في يد عبد الوهاب حبة مشمش لا تفارقه، لا يأكلها سريعا مثل الجميع، يتحسس ملمسها في وقت ثم يفتحها على مهل، ينظر جيدا إلى تماسك جلدها الداخلي ثم يقضم منها هاتفا "الله.. مشمش على أبوه، ده ما يطلعش الطعم ده إلا من هنا"، في إشارة إلى مشمش قريته.

ويؤكد السيد أن التغير المناخي كان السبب الرئيسي في موت شجرة فاطمة، الشجرة التي جاء بها محمد علي لتكون نواة المسن في العمار ومصر بكاملها رغم تعدد الأسباب المرتبطة بنقص محصول المشمش مثل تعدد أماكن زراعته في الأراضي المستصلحة وتغيير الفلاحين نوع زراعتهم بسبب قلة الناتج وسعره الضئيل، ويربط الفصيح ذلك بالتغير المناخي فيقول "يتعجب الناس حين يجدوننا نفهم ماذا يعني التغير المناخي، الفلاح هو أكثر شخص يلمس تبعات التغير المناخي، لأننا نرى بأعيننا ماذا يحدث عندما يتسبب ارتفاع درجة الحرارة في سقوط المحصول من الشجر، وما يترتب على تعطيل البرد الشديد ازدهار الثمرة وتأخر زيجات البنات".

وتابع عبد الوهاب "التغير المناخي الذي يحدثوننا عنه في ندوات الجمعية الزراعية نراه بأعيننا منذ سنوات".

***فقط للاستخدام الداخلي*** بعد سنوات عجاف.. نساء المشمش يستقبلن المحصول بفرحة الأعياد مصر الجزيرة
موسم حصاد المشمش في عام 2022 كان الأكثر إنتاجا (الجزيرة)

متى بدأت السنوات العجاف؟

يؤرخ السيد عبد الوهاب لانهيار مشمش العمار منذ "شربة يوسف والي"، الدواء الذي وزعته وزارة الزراعة إبان عهد مبارك ووزير زراعته الأشهر يوسف والي، لتحسين جودة الأرض والقضاء على الحشرات، قضى الدواء على الحشرات وعلى الأرض كذلك، وبقيت العمار 3 سنوات بعدها أو أكثر بلا حبة مشمش واحدة، ثم بدأت الثمار تعود رويدا رويدا.

وأضاف "لكن الرياح أتت بما لا تشتهي السفن، الشجر الذي بدأ رحلة التعافي وبدأ محصوله في استعادة عرشه خيبت الأحوال الجوية المتقلبة طموحات أصحابه، وتجلت أحلامهم في تعويض خسائر السنوات العجاف.

ويصف السيد عبد الوهاب المشمش بزرعة روحها خفيفة، ووقتها على الشجر محدود، والحرارة في مصر قد تغيرت، تارة يأتي الصيف في مارس/آذار وتارة أخرى يأتي في مايو/أيار، وهو ما دفع الفلاحين لتغيير الزرعة إلى الموالح والبامية أو الباذنجان.

يبدأ موسم زراعة المشمش من ديسمبر/كانون الأول بتقليم الأرض ووضع البذور، ثم تبدأ مرحلة الري، ويحتاج شجر المشمش الري بالغمر، فالأشجار ضاربة جذورها في التربة تحتاج كثيرا من المياه لتصل إلى الجذور، ثم تأتي عملية الفطام حتى موسم الإزهار في بداية مارس/آذار، تحتاج الشجرة في هذا الوقت إلى معدلات ثابتة من الحرارة، فالارتفاع الزائد عن الحد يضرها فيتلف الثمرة سريعا، والبرودة الشديدة تضمر الثمرة وتسقطها أرضا.

وموسم 2022 كان السنة السمينة بعد سنوات عجاف كما يراه السيد عبد الوهاب، متمنيا ألا يكون الأخير وأن تبقى العمار بكامل مشمشها.

المصدر : الجزيرة