أول مقهى للعبة الشطرنج في فرنسا.. إحياء لعبة ملكية تمتد شعـبيتها إلى آلاف السنين

كلمة الشطرنج مشتقة من كلمة "شطرنجا" الهندية التي تعني أجزاء الجيش الأربعة (الحصان والبيدق والفيل والطابية)، ويعتقد البعض أن أصل الكلمة فارسي وتعني "الحيلة".

باريس – في رقعة مربعة تكتسي اللونين الأبيض والأسود، يلتقي جيشان، تتحرك بيادقهما في كل الاتجاهات دفاعا عن الملك في تركيز عالٍ ومبارزة لا تُسفك فيها الدماء. وعند إقصاء معظم القطع، يعلن أحد الطرفين الفوز بكلمة "كش ملك" لتنتهي بذلك لعبة الشطرنج.

في باريس، يجتمع عشاق هذه اللعبة الشهيرة، من المحترفين إلى المبتدئين، حول 27 طاولة خشبية للتنافس في أول مقهى مخصص بالكامل للعبة الشطرنج في فرنسا.

أول مقهى للعبة الشطرنج في فرنسا.. إحياء لعبة ملكية تمتد شعـبيتها إلى آلاف السنين
رواد مقهى "بليتز سوسايتي" في حي سان جرمان دي بري (الجزيرة)

مقهى بوهيمي

قام 4 أصدقاء فرنسيين بتأسيس مقهى "بليتز سوسايتي" (Blitz Society) في حي سان جرمان دي بري، الواقع في الدائرة السادسة بباريس، والمعروف بتجاربه الفريدة من نوعها في المحلات والفنادق والمقاهي.

وقامت ساندرا بنهامو بتصميم كل ركن في المكان ليحاكي روح طاولات الشطرنج الموجودة في ساحة واشنطن في نيويورك، بفضل الاختيار الموفق والأنيق للمواد الخام المصنوعة من الطين والخشب.

كما استوحى شركاء المشروع من ذكرى الفرنسي دانيكان فيليدور العظيم، مؤلف كتاب "تحليل الشطرنج" الصادر عام 1749، الذي ساعد عشاق اللعبة في فهم التكتيكات المعقدة بطريقة مبسطة وتعزيز التدريب الذهني.

بالإضافة إلى ذلك، يسعى مقهى الشطرنج الجديد إلى "دمقرطة" هذه اللعبة، إذ يستقبل الجميع من أبرز أبطال اللعبة إلى الشغوفين والمبتدئين، في جو دافئ ورفقة موسيقى الجاز الحالمة في الخلفية.

وتعني كلمة "بليتز" (Blitz) الهجوم السريع أو الحرب الخاطفة في اللغة الإنجليزية، إذ يكون لدى كل متنافس 5 دقائق فقط لإنهاء لعبته.

أول مقهى للعبة الشطرنج في فرنسا.. إحياء لعبة ملكية تمتد شعـبيتها إلى آلاف السنين
رقعة الشطرنج في مقهى "بليتز سوسايتي" (الجزيرة)

لعبة الملوك

من دون معركة أو علم، يلقب الشطرنج بلعبة الملوك. اختلفت الفرضيات والروايات حول أصل وتاريخ هذه اللعبة، بين من نسبها إلى القائد الإغريقي بالميداس، الذي أراد الترفيه عن جيشه اليوناني أثناء حصار طروادة، وبين من رأى أن الصينيين كانوا أول من اخترعوها في القرن العاشر قبل الميلاد، حتى إن هناك من تخيّل الملك سليمان الحكيم يلعب الشطرنج لإبهار ملكة سبأ.

ويرى البعض الآخر أنها ظهرت في الهند في القرن السادس الميلادي على يد "سيسا"، الذي اخترع لعبة للترفيه عن أميره. وقال المؤرخ الجغرافي أبو العباس اليعقوبي إن فضائل الهند ثلاث: الشطرنج، وكليلة ودمنة، و9 أحرف تجمع الحساب.

يذكر أن كلمة "الشطرنج" مشتقة من كلمة "شطرنجا" الهندية التي تعني أجزاء الجيش الأربعة (الحصان والبيدق والفيل والطابية)، وهو تشكيل فريق الجيش الذي اعتُمِد في ملحمة ماهابهاراتا الهندية. ويعتقد البعض أن أصل الكلمة فارسي وتعني "الحيلة".

وتشير الأسطورة، التي يدعمها عدد من المؤرخين، إلى أن خليفة بغداد العباسي هارون الرشيد أرسل هذه اللعبة هدية لشارلمان، ملك الفرنجة الذي اشتهر بحنكة عالية وذكاء كبير، بمناسبة توليه الحكم، في دلالة واضحة على عمق التبادل الثقافي آنذاك، بالتزامن مع توسع الإسلام ودور الأندلس في نقل الحضارة العربية من طريق البحر الأبيض المتوسط عبر إسبانيا وصقلية باتجاه فرنسا وإيطاليا.

وكانت قطع الشطرنج كبيرة الحجم لدرجة أنها لم تسع لوحة اللعبة، وتم وضعها في خزانة الملك لتلعب دورها الرمزي بدل الترفيهي. وفي أعقاب المصادرات التي تلت الثورة الفرنسية، أدرجت "لعبة شارلمان" في مجموعات المكتبة الوطنية في عام 1793 لتصبح واحدة من أجمل وأهم القطع العاجية القادمة من الشرق.

ويقال إنه في عهد الخليفة المأمون بن هارون الرشيد أجريت أول مسابقة عالمية على مستوى آسيا للشطرنج في مجلسه عام 819م، بحضور أبرز أبطال اللعبة الذين كانوا يتمتعون بمكانة رفيعة، وعلى رأسهم جابر الكوفي وزيراب قطان من ولاية خراسان.

وقد تغنى الأدباء والشعراء في قصائد بديعة بالشطرنج كصفي الدين الحلي في قصيدته "سل الرماح العوالي" ومما قاله:

بيادقٌ ظفرت أيدي الرخاخِ بها.. ولو تركناهم صادوا فرازين

أول مقهى للعبة الشطرنج في فرنسا.. إحياء لعبة ملكية تمتد شعـبيتها إلى آلاف السنين
طاولات لعبة الشطرنج في مقهى "بليتز سوسايتي" في باريس (الجزيرة)

مناورة الملكة

تحت إشراف المنظرين الإسبان والإيطاليين، أنشئت أسس اللعبة الحديثة من حيث الشكل والتكتيك. كما شهدت العديد من القطع تغيرات عديدة، وخاصة "الملكة"، إذ بدلا من الانتقال من مربع إلى آخر، أصبح بإمكانها عبور رقعة الشطرنج في جميع الاتجاهات.

وقد تكون "الملكة" هي أقوى قطعة في الشطرنج، إلا أن قلة من النساء يلعبن اللعبة ولم يكن موضع ترحيب في نوادي الشطرنج في أوروبا حتى القرن الـ19.

ففي منتصف ثمانينيات القرن الـ19، سمح نادٍ في تورينو بإيطاليا لزوجات وأبناء أعضائه بالالتحاق وممارسة اللعبة، وهي خطوة أشاد بها بطل العالم آنذاك فيلهلم شتاينتس.

لكن التغيير كان بطيئا حتى بعد مشاركة النساء في بطولة دولية لأول مرة في لندن عام 1897، واستمر بعض أبطال اللعبة من الرجال في تمرير وابل من الانتقادات.

فكتب لاعب الشطرنج سافيلي تارتاكوير، الذي حاز على لقب المعلم الكبير الدولي في خمسينيات القرن الماضي، أن "النساء غير قادرات على حشد القسوة اللازمة للمنافسة"، في حين ادعت إحدى الجرائد عام 1906 أن "النساء يفتقرن إلى التركيز والأصالة المطلوبين للعب بشكل جيد".

أول مقهى للعبة الشطرنج في فرنسا.. إحياء لعبة ملكية تمتد شعـبيتها إلى آلاف السنين
لاعبة الشطرنج الروسية دينا بيلنكايا الحائزة على رتبة "أستاذ دولي كبير"، تزور المقهى الباريسي بشكل منتظم (الجزيرة)

وفي حوار للجزيرة نت مع لاعبة الشطرنج الروسية دينا بيلنكايا (25 عاما) الحائزة على رتبة "أستاذ دولي كبير"، قالت إن "هذا التمييز على أساس الجنس بدأ في التغيير في السنوات الأخيرة، وأحاول من خلال المسابقات التي أخوضها وقناتي الخاصة على وسائل التواصل الاجتماعي تحفيز الفتيات على تعلم اللعبة لأنه لا يوجد أي سبب يجعلها حكرا على الرجال فقط".

وأشارت بيلنكايا، التي تزور المقهى الباريسي بشكل منتظم، إلى أن المسلسل الشهير "مناورة الملكة" (Queen’s Gambit)، الذي بث على منصة "نيتفلكس" (Netflix)، "لعب دورا كبيرا في تسليط الضوء على ذكاء ومهارة النساء في هذه اللعبة".

تجدر الإشارة إلى أن لقب "أستاذ دولي كبير" (International Grand Master) يمنحه الاتحاد الدولي للشطرنج مدى الحياة للاعبين الذين استوفوا الشروط، وذلك بتحقيق 3 درجات في 3 منافسات مختلفة.

المصدر : الجزيرة