بنك المغرب بالرباط.. قرن على تشييد بناية تاريخية تجمع بين الطراز المغربي والأساليب الأوروبية

الواجهة الأساسية لبنك المغرب المطلة على شارع محمد الخامس (الجزيرة)

الرباط – تلفت بناية بنك المغرب في شارع محمد الخامس -القلب النابض للعاصمة الرباط- الأنظار بفضل طرازها المعماري المميز الذي جعل اليونسكو تصنفها ضمن التراث العالمي عام 2012 إلى جانب معالم أخرى تاريخية موزعة على طول الشارع.

ويحتفي بنك المغرب هذا العام بمرور قرن على بداية أشغال تشييد المبنى بالرباط عام 1922، وقد استمرت هذه الأشغال على مراحل تتوزع بين فترتي الاستعمار الفرنسي والاستقلال.

وبالرغم من امتداد مراحل توسعته على فترات زمنية مختلفة تعاقب عليها 3 مهندسين معماريين، ظل النمط المعماري للمبنى منسجما ومتناسقا.

واستوحي طراز بنائه من الأسلوب اليوناني الروماني، إلا أن أيدي الصناع التقليديين المغاربة تركت بصماتها ماثلة في هذه البناية الفخمة.

تناغم بين أسلوبين معماريين 

يتميز الأسلوب المعماري الذي اعتمد في بناية المقر المركزي لبنك المغرب بالرباط، بكونه مزيجا متناسقا يجمع في تناغم تام بين النظم المعمارية المغربية التقليدية والأساليب الأوروبية المعتمدة عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي، حسب معلومات رسمية أدلى بها للجزيرة نت هذا البنك.

وبحسب نفس المصدر فقد نتج عن هذا التناغم معمار يجسد الفن الكولونيالي مع الحفاظ على مميزات التراث المغربي الضارب في أعماق التاريخ.

ويصنف الخبراء هذه البناية ضمن الأسلوب المعماري (Art Deco) أي (الفن الزخرفي) المتميز بالتجديد والجرأة في إبداع المنشآت المعمارية الكبرى.

القبة الرئيسية لبنك المغرب تركيب متفرد من الزجاج وخشب أرز الأطلس المنقوش (الجزيرة)

مراحل تشييد البناية التاريخية

مر بناء المقر المركزي لبنك المغرب بـ 3 مراحل تمتد الأولى من 1922 إلى 1930، وتم خلالها إنشاء الجزء التاريخي للمبنى وواجهته الأساسية التي تطل على شارع محمد الخامس.

وامتدت الأشغال لسنوات بمساهمة أمهر الصناع التقليديين على الصعيد الوطني تلك الفترة، وقد تجلت إبداعاتهم خصوصا في الساحة المركزية لهذا المبنى التاريخي وقبته الفريدة.

أما المرحلة الثانية فقد انطلقت الأشغال فيها عام 1949 وانتهت منتصف خمسينيات القرن الماضي، وتم خلالها إنشاء بنايات تحت أرضية جديدة وكذا عدد من المكاتب على مستوى الطابق الأول للبناية.

وأنجزت أشغال المرحلة الثالثة فترة السبعينيات، وروعي فيها الاحترام الصارم للقواعد المعمارية التي اعتمدت في المرحلتين السابقتين.

وبفضل هذه الصرامة، فإن الناظر إلى بناية بنك المغرب لا يلاحظ أي فرق بين المكونات الثلاثة للمبنى، وحسب البنك فقد تم -على سبيل المثال- الاعتماد على توجيهات أحد معلمي الرخام الذي اشتغل في المرحلة الأولى من أجل ضمان استعمال نفس نوع الأحجار في البناء خلال المراحل الأخيرة.

وقد خضعت الأجزاء الثلاثة للبناية إلى عملية تجديد شاملة انتهت عام 2020، تم خلالها تحديث كافة مكونات المبنى بالاعتماد على أحدث التقنيات المعمارية. كما تمت إعادة تأهيل الجزء التاريخي للمقر ومدخله الرئيسي حتى يحافظ على رونقه المتفرد.

بوابة مبنى البنك المركزي بالرباط (الجزيرة)

3 مهندسين

أسند إنجاز المرحلتين الأولى والثانية للمبنى إلى المهندسين المعماريين الفرنسيين أوغست كاديه وإدموند بريون، بينما أشرف المهندس المعماري المغربي مراد بن مبارك على المرحلة الثالثة.

ووضع المهندس كاديه التصاميم الأولى للمبنى بداية عشرينيات القرن الماضي.

وقدم هذا المعماري الفرنسي إلى المملكة عام 1916 للعمل ملحقا لدى المصلحة الخاصة للهندسة المعمارية وتصاميم المدينة التابعة للحماية، ليقرر الاستقرار بصفة دائمة.

وعين بعدها مهندسا معماريا رسميا للملك الراحل محمد الخامس، حيث كان يختم معاملاته بلقب مهندس معماري لدى الحكومة الشريفة لينأى بنفسه عن الحكومة الاستعمارية.

كان كاديه شغوفا بالفن العربي الأندلسي منذ وصوله إلى المغرب، وقاده هذا الولع إلى دراسة فن العمارة المغربي خاصة عهد الموحدين، وقد مزج في كل البنايات التي شيدها بين الديكور التقليدي العربي الأندلسي وإطار هندسي منقح مستوحى من النماذج الموحدية المستخدمة بالقصور والمساجد والمدارس القرآنية وكذا من الآثار الرومانية والقوطية.

وكان بريون شريكا لكاديه في وكالته لمدة 15 عاما، وقد قاما بتشييد مباني 4 بنوك بمراكش والجديدة ووجدة إلى جانب بنك المغرب المركزي بالرباط.

أما المهندس بن مبارك الذي اشتغل على توسعة مبنى البنك في السبعينيات، فقد حصل على شهادة مهندس معماري من فرنسا عام 1960 ليعين مديرا لإدارة التعمير بوزارة الأشغال العمومية وكان عمره حينها لا يتجاوز 27 عاما، ليكون أول مهندس مغربي يتقلد منصب المسؤولية في الإدارة.

لمسات الصناع التقليديين

تظهر لمسات الصناع التقليديين المغاربة واضحة في مختلف مكونات هذا المبنى التاريخي.

ومن أهم الشواهد الواجهة الأساسية للمقر وما يزينها من نقوش حجرية متفردة استعملت فيها أحجار جلبت من نواحي سلا، ثم البوابة الرئيسية ودعائمها المتميزة، والقبة الرئيسية للمقر المركزي وهي تركيب متفرد من الزجاج وخشب أرز الأطلس المنقوش.

كما تظهر لمساتهم في النقوش الحديدية التي تزين البوابات والنوافذ، والنقوش الخشبية التقليدية التي تزين كافة الدعائم والشرفات بالساحة المركزية للبناية، وأيضا التشكيلات الحجرية والجبسية التي تزين جدران ونوافذ البناية.

الواجهة الأساسية لبنك المغرب وأحد جوانبها (الجزيرة)

حكاية بنك المغرب

يتطرق كتاب معلمة المغرب في الجزء الخامس لتاريخ إنشاء أول بنك في المغرب بطنجة، وكيف انتقل إلى الرباط، والمراحل التي مر منها بدءا من اعتباره بنكا دوليا يتشارك في رأسماله عدد من الدول الأوروبية لتصبح بعدها غالبية الأسهم في ملك الفرنسيين إلى مرحلة استقلال المغرب وتحوُّل البنك الى مؤسسة وطنية.

ويرجع تأسيس البنك المخزني إلى عقد مؤتمر الجزيرة الخضراء عام 1906، وهو مؤتمر دولي عقد لتقرير مصير المغرب كمستعمرة أوروبية.

وحسب المصدر السابق، تختلط الظروف التاريخية لتأسيس البنك المخزني بالظروف التاريخية التي هيأت المغرب لمعاهدة الحماية، ويمكن تمييز 3 مراحل في تطور البنك وهي ترتبط بتطور النفوذ الأجنبي في المغرب.

ومارس البنك مرحلة ما قبل الاستعمار مراقبة مالية وسياسية غير مباشرة على المخزن أي النظام بالمغرب، فقد ركز نشاطه على تتبع "الإصلاحات" التي نصت عليها معاهدة الجزيرة الخضراء، وبعد الحرب العالمية الأولى تخلت عدد من الدول عن أسهمها لصالح الفرنسيين لتصبح فرنسا تمتلك غالبية الأسهم.

عام 1925 دشن البنك المخزني مقرا جديدا في الرباط صار هو المقر المركزي جاعلا بهذا حدا نهائيا للطابع الدولي للبنك الذي كان يضفيه عليه استقراره في طنجة التي كانت منطقة دولية.

باستقلال البلاد عام 1956 أصبحت قوانين وامتيازات البنك المخزني متنافية مع سيادة المغرب، وكان عليه أن يسترجع سلطته النقدية والمالية وأن يجعل حدا لوجود البنك المخزني ويعوضه بمؤسسة وطنية.

عام 1959 تنازل البنك المخزني بموجب اتفاق عن امتياز إصدار النقد والامتيازات الأخرى، كما تقررت عودة هذه الامتيازات للدولة التي سلمتها في نفس التاريخ إلى بنك المغرب باعتباره معهد الإصدار الجديد. وقد أنهى البنك المخزني نشاطه البنكي رسميا في 1 يوليو/تموز 1959 وحل محله بنك المغرب.

المصدر : الجزيرة