الثمانيني إبراهيم الهمص.. أقدم ساعاتي في غزة وأكبر من إسرائيل بـ6 أعوام

الساعاتي إبراهيم الهمص يرتبط بحكاية عشق مع مهنة إصلاح الساعات منذ عام 1958 (الجزيرة)

غزة- على كرسي خشبي قديم يلازمه منذ عقود طويلة، يجلس الساعاتي الثمانيني إبراهيم الهمص داخل محله الصغير في مدينة رفح جنوب قطاع غزة، وهو أقدم مختص بإصلاح الساعات في القطاع الساحلي الصغير.

لم يمتهن الهمص (82 عاما) مهنة أخرى على مدى 6 عقود وأكثر، منذ أن تعلم إصلاح الساعات من عمه عام 1958، وكان وقتذاك في السادسة عشرة من عمره.

ومع تتالي الأيام ومرور السنوات، يقول الهمص -للجزيرة نت- إن نحو 7 ساعات يقضيها يوميا في محله لإصلاح الساعات وسماع دقات عقاربها، لم تعد مجرد مهنة للحصول على الرزق، وإنما هي "روتين يومي" لا يستطيع التخلي عنه.

رغم تقدمه في العمر يواظب الساعاتي الهمص على العمل اليومي في محله جنوب قطاع غزة (الجزيرة)

حكاية عُمر

عند الساعة 8 من كل صباح، يتوجه الهمص من منزله في "مخيم يبنا" للاجئين الملاصق للحدود الفلسطينية المصرية، إلى محله الصغير الذي لا تتجاوز مساحته 3 أمتار مربعة. يجلس على كرسيه منحني الظهر، وينهمك بشغف في إصلاح الساعات مستعينا بعدسة مكبرة يضعها على إحدى عينيه، لرؤية الأجزاء الدقيقة ومعاينة الخلل وإصلاحه.

وفي هذا المخيم -الذي استمد اسمه من بلدة "يبنا" في فلسطين المحتلة عام 1948، التي هجّرت منها أسرة الهمص- يعرف الصغار والكبار إبراهيم الهمص بكنيته "أبو خالد".

الهمص من مواليد عام 1942، وكان طفلاً في السادسة من عمره إبان النكبة عام 1948، عندما اضطرت أسرته -مثل غالبية الفلسطينيين- إلى الهجرة، واستقرت بها الحال وعائلات منحدرة من بلدة يبنا في مدينة رفح.

ترعرع الهمص في أزقة المخيم، ومع بلوغه السادسة عشرة من العمر رافق عمه الذي كان يمتهن "مهنة الساعاتي"، ويقول: "أتقنت المهنة، وامتلكت أسرارها خلال عامين، وافتتحت محلاً خاصاً بي، ومنذ ذلك الحين بدأت رحلتي مع إصلاح الساعات".

لم يمض الهمص وقتاً طويلاً، وسافر إلى السعودية وعمل فيها 3 سنوات في المهنة ذاتها، قبل أن يعود إلى مدينة رفح التي تزوج فيها وأنجب 8 أولاد و3 بنات، واستقر فيها ولم يغادرها منذ سنوات طويلة، حتى أصبح وجهاً مألوفاً لسكان هذه المدينة التي يقطنها زهاء 200 ألف نسمة.

مع اندلاع انتفاضة الأقصى عام 2005، وتصاعد الاعتداءات الإسرائيلية، لم يحتمل الهمص البقاء في محله الذي افتتحه بعد عودته من السعودية في المخيم المطل على الحدود الفلسطينية المصرية، وهي منطقة كانت "مسرحاً" لعمليات التوغل الإسرائيلية وإطلاق النار يومياً.

اضطر أبو خالد قبيل الانسحاب الإسرائيلي من مستوطنات غزة عام 2005 إلى إغلاق محله، والانتقال إلى محل آخر في السوق وسط المدينة، وهو ذاته المحل الذي يستقر فيه منذ ذلك الحين.

الهمص أخذ مهنة الساعاتي عن عمه بعد هجرته وأسرته إبان نكبة 1948 (الجزيرة)

ذاكرة السنين

نالت السنوات من صحة الهمص، وبدت آثارها الثقيلة واضحة بالتجاعيد التي ترتسم على وجهه، غير أنها لم تنل من حكاية العشق التي تربطه بالساعات، رغم التراجع الحاد في العائد المادي الذي يحصل عليه، بفعل التقدم التكنولوجي، لكنه يقول: "في مثل عمري، المال ليس كل شيء.. إنها مهنة العمر، وهنا في هذا المحل أشعر أنني ما زلت على قيد الحياة، أمارس المهنة التي أحبها، وأتفاعل وأتبادل الحديث مع المارة والزبائن".

لم يكن الهمص قد أنهى عبارته حتى لوح أحدهم بيده، ملقيا عليه السلام والتحية: "السلام عليكم عم أبو خالد.. كيف حالك؟"، ويشعر الهمص بكثير من الرضا عما وصفه بمحبة الناس.

ويقول الساعاتي الثمانيني إنه لا يؤمن بسن التقاعد، وسيبقى مواظبا على عمله في هذا المحل الذي يختزن بين جنباته الكثير من الذكريات، وكان مصدر رزقه لعقود طويلة، ومن خلاله أدى رسالته في تربية أبنائه.

وورث عدد من أبناء الهمص وأحفاده مهنة الساعاتي عنه، ويساعده بعضهم في العمل يوميا، ويقول: "رغم التراجع الواضح وميل الشباب نحو الجوالات (الهواتف النقالة)، فإن البعض -خصوصا من الجيل القديم- يهوى اقتناء الساعات، ولا يزال للمحل زبائنه الذين يقصدونه لإصلاح ساعاتهم أو اقتناء ساعات جديدة".

وبينما كان الهمص ممسكا بساعة بين أصابعه يعاين خللا أصابها، والساعات تتكدس من حوله وتعجّ بها جنبات المحل الصغير، وقطع الغيار وأدوات العمل متناثرة على طاولة أمامه؛ قال إن عودة عقارب الساعة إلى الدوران من جديد تجعله يشعر بسعادة غامرة، كمريض يسترد صحته وتعود له الحياة من جديد.

الهمص: ستبقى العودة إلى كل فلسطين حلما قابلا للتحقيق، وإن لم يعد جيلنا لها فسيعود أبناؤنا وأحفادنا (الجزيرة)

النكبة وحلم العودة

لم يعلق في ذاكرة ذلك الطفل الصغير الذي رافق أسرته في رحلة الهجرة هرباً جرائم العصابات الصهيونية، الكثير عن سنوات طفولته الأولى في بلدته يبنا داخل فلسطين المحتلة، لكنه -وكغيره من "جيل النكبة"- يحلم بالعودة قبل المنية.

القليل من جيل النكبة لا يزال على قيد الحياة، والبعض منهم يقصد الهمص يومياً في محله، ليس من أجل إصلاح ساعة، وإنما لتبادل أطراف الحديث الذي يقودهم -عادة- إلى فلسطين، وما آلت إليه أوضاع اللاجئين بعد النكبة.

واستخدم الهمص عبارة شعبية تدل على الحياة والإصرار على تحقيق الهدف، وقال: "طالما هناك نَفَس طالع ونَفَس نازل، فستبقى العودة إلى فلسطين حلما قابلا للتحقيق، وإن لم يعد جيلنا إلى يبنا وكل مدن فلسطين، فسيعود أبناؤنا وأحفادنا".

المصدر : الجزيرة