العلكة بدلا من الفكة.. طرائف وأزمات التعامل بالجنيه الورقي في مصر

نبيل: ربما يدعو لي أحفادي بالخير بعد عشرات السنين لأني تركت لهم كنزا ثمينًا من الجنيهات الورقية قليلة القيمة اليوم.

الجنيه المصري الورقي لم يعد مرغوبا لا من البائع ولا المشتري بمصر (الجزيرة)

بحث محمود في جيبه عن مساعدة مالية يقدمها لمتسوّل وقف يستجديه عبر نافذة سيارته عند إحدى الإشارات المرورية بالقاهرة، فوجد جنيها ورقيًّا وحيدًا أعطاه إياه لينظر المتسول إلى الجنيه بازدراء، ظنّ محمود للوهلة الأولى أن وراء ذلك قلة قيمة المساعدة، حتى عاجله المتسول قائلا "محدش بيرضى ياخد الورق" (يقصد أنه يصعب صرفه).

وظهرت أزمة صرف الجنيه الورقي أول الأمر ضمن أزمة انعدام الفكة قبل سنوات، حسب صاحب بقالة، فيقول مصطفى، وهو بائع بإحدى البقالات بالجيزة، إنه كان يعاني قبل سنوات إيجاد فكة يقدمها للزبائن لبقية ثمن البضاعة، وذهبت أزمة الفكة وبقيت أزمة الجنيه الورق. والجنيه الورقي هو الوحدة الأدنى من العملة المصرية (الدولار نحو 16 جنيهًا) ومنه نوعان ورقي ومعدني.

وعبثا حاول مصطفى أن يقنع مشترية بقبول 3 جنيهات بقية 20 جنيها قدمتها المشترية لشراء أكياس ملح، ولما أذعن لإلحاحها أخيرًا، وأعطاها بدلا منها جنيهات معدنية، رشّت الجنيهات الثلاثة وهي في يده بكحول مركز "بغية تطهيره"، كما قالت، لأن "العملة عموما من أخطر مسببات نقل العدوى بالأمراض المختلفة ومنها فيروس كورونا"، نظرًا إلى أنها الأكثر تداولًا في أيدي الناس، "ولن يمكنها رش الجنيهات الورقية لأنها تتلف بسرعة".

الجنيه المصري المعدني أكثر قبولا لكنه شحيح لتفضيل المتعاملين له على الورقي (الجزيرة)

انفعل البائع وهو ينتقد تناقض سلوكها لأنها تتعامل بالعملة الورقية من فئة 5 جنيهات وما فوقها، فأجابت بسرعة كأنما كانت تنتظر هذا السؤال المباغت قائلة إنها تقوم كذلك بتطهير العملات المذكورة، ولكن الجنيهات الورقية أسرع تلفًا من بقية العملات عند رشها، ربما لأن "قيمتها منخفضة ومن ثم تكون خامتها أقل جودة"، وهذا التلف يجعلها عرضة لرفض المتعاملين أخذها منها.

يبدي مصطفى حيرة إزاء الأمر، فإذا لم يقبل الجنيهات الورقية من المشترين يكون مدانا بحكم القانون، وإذا قبلها لا يستطيع تصريفها إلا لفئة قليلة تتفهم الأمر، في حين تتكدس في أدراج خزانته جنيهات ورقية بالمئات يضطر إلى تصريفها لدى البنوك كل حين.

مستمرة رغم التحذيرات

وانتشرت الظاهرة إلى حد إزعاج كثير من المتعاملين وتناولها في الفضائيات المصرية، وصدور بيانات من البنك المركزي في أبريل/نيسان الماضي تؤكد العمل بها وتجريم من يرفض قبولها.

وحسب نص المادة 377 من قانون العقوبات المصري، يعاقب الممتنع عن التعامل بالعملة المحلية غير المزورة أو المغشوشة والسارية ولم يصدر قرار بإلغائها من قبل الدولة بدفع غرامة مالية تراوح بين 100 وألف جنيه.

ورغم هذه البيانات والتحذيرات تستمر الظاهرة، ففي فرع لأحد سلاسل المتاجر الشهيرة بالقاهرة، تبقى لمشتر جنيهان من بقية حسابه الذي تعدى مئات الجنيهات كما يبدو من عربة التسوق التي كان يفرغ محتوياتها في أكياس تمهيدًا لحملها خارجًا، وفضل أخذ علكة بدلا من الفكة قائلا "أجد صعوبة في تصريف الجنيهات الورقية".

وخلفه في الطابور نفسه، سلك مشتر آخر المسلك ذاته لكنه أضاف ضاحكًا "لديّ من هذه الجنيهات الورقية الكثير، أمنحها لابنتي الصغيرة لتلهو بها مع شقيقاتها في لعبة البيع والشراء".

وحسب ما فهمنا ممن سألناهم من المواطنين، فإن القلق من الجنيه الورقي يرجع إلى عدة عوامل؛ منها سرعة تلفه، والخشية من إلغائه وفقا لإشاعات تُروج بين الحين والآخر، وهذا ما يجعل البعض لا يقبلونه، ويدفع آخرين بالتالي للتوجس وتفضيل العملة المعدنية من فئة الجنيه، حتى لو لم يكونوا مقتنعين بهذه الأسباب.

 

رغم بيانات البنك المركزي في مصر فإن أزمات تثور عند التعامل بالجنيه الورقي (غيتي)

وفي جولة للجزيرة نت على عدد من الباعة تباينت ردود أفعالهم، ففي فرن للخبز البلدي بمنطقة فيصل بالجيزة رفض البائع أخذ الجنيهات الورقية مقابل الخبز، مسوّغًا ذلك بصعوبة تصريفه، أما الفاكهاني "نبيل" -ويسمى محله باسمه- فأخذ الجنيهات قائلا "سيبها (اتركها) على الله"، مضيفًا "سيذهب إلى صاحب نصيبه أو يبقى معي ذكرى، تتعاظم قيمته بالتقادم".

والطريف أن نبيل، وهو خريج كلية الزراعة بجامعة القاهرة ويتخذ من متجره منفذا لبيع منتجات مزرعته الصغيرة، لا يجد أي أزمة بالاحتفاظ بالجنيهات، بل يتعمد الاحتفاظ بالجنيهات ذات الحالة الجيدة في منزله، مضيفًا "الجنيه الورقي ترتفع قيمته كلما تقادم، وهناك سوق رائجة للعملات الورقية القديمة التي يبلغ عمرها عشرات السنين، ربما يدعو لي أحفادي بالخير بعد عشرات السنين لأني تركت لهم كنزا ثمينًا من الجنيهات الورقية قليلة القيمة اليوم".

 

التهديد بالشرطة

وبلا تردد أخذ عادل، وهو بائع صحف بالقاهرة، الجنيهات الورقية مقابل شراء إحدى الصحف، دون إبداء أي تحفظ، نافيًا وجود صعوبات بتصريفها لأنه يتعامل مع شركات توزيع الصحف، يورد لها في نهاية اليوم حصيلة البيع، وهي شركات ومؤسسات حكومية فلا يمكنها رفض الجنيهات الورقية، ولكن أزمته الحقيقية بإقناع المشتري بأخذ الباقي من الفكة جنيهات ورقية، ومع تناقص وانعدام ما بحوزته من الجنيهات المعدنية، يضطر إلى تخيير المشتري بين أخذ الورقية أو الحصول على مقابل قيمتها علب أعواد ثقاب أو علكة أو حلوى.

ويذكر عادل أن شائعة سرت زمنا بأن الحكومة ستلغي التعامل بالجنيهات الورقية، رغم نفي المسؤولين المتكرر هذه الشائعة، لدرجة أنه اضطر إلى الاحتفاظ بقصاصات من صحف عدة تتضمن تصريحات النفي الرسمي، ليقنع بها المشترين لقبول الفكة الورقية.

وتداولت مجموعات وصفحات على مواقع التواصل الاجتماعي صور تحذيرات نشرها مستخدمون لقرارات البنك المركزي والعقوبات المقررة على الممتنعين عن التعامل بالعمل المحلية.

ويبدأ البنك المركزي بطباعة النقود البلاستيكية "البوليمر"، منتصف العام الجاري، بمطبعة البنك المركزي الجديدة بالعاصمة الإدارية الجديدة، حسب صحف محلية.

غير أن خبراء مصرفيين يشككون في جدوى هذه الخطوة في تخفيف المخاوف من التعامل بالجنيه الورقي، نظرًا إلى أن العملات البلاستيكية ستبدأ بالعملات ذات الفئات الأعلى أولا وتستمر مدة طويلة.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

ناشطة مصرية تروي قصة فلسطين في أغنية بدقيقة ونصف

روت الناشطة المصرية إيمان عسكر قصة فلسطين واحتلالها من قبل إسرائيل في أغنية قصيرة لم تتجاوز دقيقة و35 ثانية، كنوع من التضامن مع الشعب الفلسطيني بسبب ما تعرض له من عدوان إسرائيلي على مدار 11 يوما.

Published On 22/5/2021

لطالما بنيت نظريات عدة حول بناة الأهرامات المصرية بما في ذلك أن يكون اليهود المستعبدون أو الفضائيون هم من بنوها، إلا أنه لا يوجد أي دليل ملموس يدعم صحة هذه النظريات.

Published On 26/5/2021
الفيشاوي من أبرز مقاهي مصر العريقة - مواقع التواصل

لا ينحصر دور المقاهي في مصر على مر التاريخ بتقديم المشروبات فحسب، فلطالما كانت مكانا لحضور متنوع، فتجد مقاهي خاصة بالمثقفين وأخرى بالكتاب والأدباء وتارة بالسياسيين؛ لكنها في رمضان تكتسب خصوصية مختلفة.

Published On 4/5/2021
المزيد من منوعات
الأكثر قراءة