زيارة إلى سد هوفر العملاق في الولايات المتحدة

الجزء السفلي من السد (الجزيرة)
الجزء السفلي من السد (الجزيرة)

قبل 5 أعوام، دعت الولايات المتحدة لزيارتها مفاوضي أطراف أزمة سد النهضة الثلاثة من وزراء الري في مصر وإثيوبيا والسودان. ونظمت إدارة الرئيس السابق باراك أوباما ورشة عمل لفرق التفاوض عقدتها في ولاية نيفادا، ونظمت لهم زيارة إلى "سد هوفر" وهو أكبر السدود في الولايات المتحدة.

وهدفت واشنطن من وراء ذلك إظهار أهمية التعاون من خلال نموذج حي وناجح في استغلال مياه النهر من قبل عدة أطراف (ولايات) لكل منها مصالح مختلفة عن الولايات الأخرى.

وكذلك إطلاع الأطراف المختلفة، وبصورة مباشرة، على كيفية التعاون بينهم في مشاركة فوائد النهر من خلال بناء الثقة بين الأطراف، وإظهار الاهتمام الأميركي بالقضية.

فيضان كولورادو

لم يكن يمكن توقع سلوك نهر كولورادوا، ففي عام كان يفيض بمياهه ويغرف كل ما جاوره من قرى وتجمعات وأراض زراعية، وفي أعوام أخرى كان يتلاعب بالصخور في طريقه، مدمرا ما يواجه مساره المتجدد وغير المستقر.

وبالنسبة للمهندسين الأميركيين، كان الحل واضحا، بناء سد كبير متعدد الأغراض لن يسيطر على الفيضانات فحسب، بل سيسخر النهر لأغراض الري وتوليد الطاقة الكهرومائية. وأعربت 6 من الولايات السبع الواقعة في مسار النهر (كولورادو ووايومنغ ويوتا ونيو مكسيكو وأريزونا ونيفادا) عن مخاوفها من أن ولاية كاليفورنيا ستحصل على حصة الأسد من المياه. لكن سمحت المفاوضات بالاتفاق بين الولايات السبع لتقسيم حصص المياه والكهرباء التي يمكن استهلاكها سنويا.

الجزء العلوي من السد (الجزيرة)

حكاية بناء السد

بدأ بناء سد هوفر عام 1931، وشارك في عمليات البناء أكثر من 16 ألف عامل. وعرفت الولايات المتحدة في ذلك الوقت الكساد الاقتصادي الأعظم، وكان مشروع بناء السد فرصة لآلاف العائلات لتُقدم للعيش في هذه المنطقة الصحراوية الجبلية القاسية التي لا تجذب إليها السكان.

ومات أكثر من مئة عامل أثناء عملية الانشاءات، إما بسبب حوادث العمل حيث تم اجراء العديد من التفجيرات الصخرية، أو كانت الوفاة نتيجة شدة الحرارة أو المرض بسبب ظروف المعيشة القاسية.

ونتج عن السد توليد الطاقة الكهربائية الرخيصة، وهو ما سمح للمنطقة بالنمو، وتمددت قرية لاس فيجاس الواقعة على مسافة 30 ميلا من السد، وتحولت لمدينة ضخمة بعد الانتهاء من بناء السد.

ويقع السد في منطقة أخاديد صخرية ترتفع في بعض المناطق لأكثر من 500 متر، واضطر المهندسون لترويض الطبيعة وقطع الصخور واستهلاك أكثر من 4.5 ملايين متر مكعب من الإسمنت لمقاومة عوامل الطبيعة.

وبسبب شده الحرارة في المنطقة، لم يشيد المهندسون مبنى السد كقطعة خرسانية واحدة، بل شيدوا مجموعة من الأعمدة المتجاورة فصل بينها لفترات قصيرة أنابيب مياه، وتم ربط الأعمدة كجدار واحد صلب مع التخلص من مياه الأنابيب.

الروعة الهندسية

يُعد سد هوفر عملاقا بكل المعايير، وهو خرساني على شكل قوس يقع بين أخاديد عملاقة على جانبي نهر كولورادو الذي يفصل بين ولايتي نيفادا وأريزونا، ونتج عن بناء السد العملاق، تكوين أكبر خزان مياه عذبة بالولايات المتحدة، ويعرف باسم بحيرة مييد التي يبلغ طولها 180 كيلومترا وعرضها 162 مترا، أي تغطي مساحة تبلغ حوالي 248 ميلا مربعا وقادرة على الاحتفاظ بنحو 28.9 مليون فدان من المياه، وتوفر البحيرة مياه الري والشرب لسكان ولايات أريزونا ونيفادا ومناطق واسعة من ولاية كاليفورنيا.

استغرق بناء السد 6 سنوات من 1931 حتى 1936، وافتتحه الرئيس السابق فرانكلين روزفلت، ويعد الأعلى بين سدود العالم، ويبلغ طوله 379 مترا وعلوه 221 متراـ وبإمكانه احتواء 31 تريليون لتر من الماء.

وكانت محطة توليد الطاقة في سد هوفر أكبر محطة كهرمائية في العالم من عام 1939 إلى 1949. وتبلغ طاقتها المركبة 2080 ميغاواط، وتولد حاليا حوالي 4 مليارات كيلوواط/ساعة من الطاقة الكهرومائية سنويا، للمنازل والمصانع في نيفادا وأريزونا وكاليفورنيا.

بناء سد هوفر بدأ عام 1931 واستمر حتى 1936 (الجزيرة)

ويعد سد هوفر وجهة سياحية هامة، وأصبح بمثابة متحف هندسي مفتوح يتيح للزوار الاطلاع على تلك التحفة الهندسية الإبداعية. ومثل بناء السد لملايين الأميركيين في ثلاثينيات القرن العشرين ما يمكن أن يقوم به العمال الأميركيون، حتى في وسط حالة الكساد الأعظم.

ويأتي أكثر من 7 ملايين شخص سنويا لزيارة السد حاليا. وتم تسهيل الزيارة حيث تم أنشاء طرق مجاورة له ومنصات يمكن من خلالها النظر على كل أجزائه، كما تم إنشاء العديد من مواقف السيارات وأماكن المشاة وتوفير الخدمات الأساسية للزوار.

كلب السد

عرف العاملون بالسد وجود كلب أسود اللون في منطقة البناء، وأطلقوا عليه اسم "نيغ".

لم يمتك أحد الكلب، وظل لسنوات صديقا للعاملين يجري بينهم ويصعد معهم الجبل، اهتم العاملون به وأطعموه وصادقوه. ومات الكلب في حادثة قبل الانتهاء من بناء السد، وتم تشييد لوحة نصب تذكارية لتخليد ذكراه ولتحكي قصته بجوار مقبرته التي تجذب الكثير من الزائرين.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

بين جسر ميلو بفرنسا ووادي تينيسي بالولايات المتحدة وحاجز المد العملاق بإيطاليا، تبرز القدرات المذهلة للعقل البشري في إنشاء مشاريع هندسية مدنية عملاقة تساعده على تطويع الطبيعة والتحكم فيها.

المزيد من منوعات
الأكثر قراءة