قرية حسن فتحي التراثية في الأقصر تتحول لمزار سياحي

قرية حسن فتحي التراثية في الأقصر جنوبي مصر شيدت في العقد الخامس من القرن الماضي (الألمانية)

باتت القرية، التي شيدها المهندس المصري الراحل حسن فتحي في العقد الخامس من القرن الماضي، مركزا لجذب أساتذة وطلاب فنون العمارة بالجامعات والمعاهد والمؤسسات البحثية في كثير من البلدان، باعتبار القرية أحد أهم المعالم التي تحمل الرؤية المعمارية للمهندس حسن فتحي، الذي حظي بشهرة عالمية في مجال العمارة المرتبطة بالبيئة المحيطة، التي يطلق عليها البعض اسم "عمارة الفقراء".

وتحولت قرية حسن فتحي التراثية، الواقعة بالبر الغربي لمدينة الأقصر التاريخية بصعيد مصر، إلى مزار سياحي يجذب كثيرا من عشاق الفنون والعمارة التراثية بمصر والعالم.

اكتسبت القرية أهمية تراثية وسياحية بسبب طابعها المعماري المتميز (الألمانية)

إنقاذ معالم القرية

واكتسبت القرية أهمية تراثية وسياحية بعد أن خضعت هذا العام لمشروع يرعاه الجهاز القومي للتنسيق الحضاري بمصر، ومكتب منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو) بالقاهرة، وفريق من المعماريين المصريين.

وتم خلال مرحلته الأولى -التي استغرقت عدة أشهر- إنقاذ المعالم المهددة بالانهيار في القرية، وتقوية وترميم العناصر المعمارية بـ3 معالم مهمة: الخان، والمسجد، والمسرح، وهي معالم تمثل وجهات رئيسية لزوار القرية من خبراء العمارة وطلاب كليات الهندسة والفنون الجميلة والسياح، وذلك وفقا لتصريحات رئيس الجمعية المصرية للتنمية السياحية والأثرية أيمن أبوزيد.

ووفقا لوزيرة الثقافة المصرية الدكتورة إيناس عبد الدايم، فإن "مشروع إحياء وترميم المنشآت ذات الطابع المعماري المتميز بالقرية يعد إنجازا جديدا للثقافة المصرية، وتجربة رائدة للحفاظ على إرث ثقافي ومعماري مهم".

منازل القرية اشتملت على أبراج للحمام، وأقبية، ومشربيات استخدمت فيها فنون الأرابيسك (مواقع التواصل)

تراث معماري وإنساني

أما الفنان الدكتور يوسف محمود العميد الأسبق لكلية الفنون الجميلة بجامعة الأقصر، فيرى -في تصريحاته للألمانية- أن المعالم التراثية بالقرية -التي تعرف باسم "قرية القرنة النموذجية" أو "قرية حسن فتحي"، نسبة إلى المهندس حسن فتحي الذي قام بتشييد القرية بهدف نقل سكان المناطق الأثرية في جبانة طيبة القديمة إليها- صارت تراثا معماريا وفنيا وإنسانيا مهما، كان من الضروري أن يتم إنقاذه من التلف والزوال.

ولفت العميد الأسبق لكلية الفنون الجميلة بجامعة الأقصر إلى أن القرية ومعالمها تجسد كل أسس العمارة التي أسسها المهندس العالمي الراحل حسن فتحي، وهو نمط معماري انتقل من الأقصر إلى مدن أخرى داخل مصر، بل وانتقل إلى دول أخرى عربية وأجنبية، وصار اليوم نمطا معماريا سائدا في الكثير من المباني السياحية، والمنتجعات الفندقية، والمنازل الخاصة أيضا.

وباتت القباب -التي أسست لها عمارة حسن فتحي- معلما بارزا يلفت أنظار الزوار من السياح خلال جولاتهم بين المعالم الأثرية والسياحية في البر الغربي للأقصر.

فنانون مصريون في زيارة لقرية حسن فتحي يتوسطهم  الممثل محمود حميدة (الألمانية)

عمارة حسن فتحي

وقال محمد سالم عبد الوارث -أحد العاملين في مجال ترميم وصيانة المباني التاريخية والمباني التراثية التي تنتمي لعمارة حسن فتحي- إن النمط المعماري الذي بنيت به منازل ومنشآت قرية حسن فتحي، خاصة نمط القباب والأرابيسك، ونظام التهوية الطبيعي، والاعتماد على مواد بناء من البيئة المحلية المحيطة بالقرية، هو نمط معماري شُيدت به مبان أخرى شهيرة في البر الغربي للأقصر، ومنها بيت المرمم الإيطالي الشهير "ستوبلير" الواقع عند بداية الطريق المؤدي لمنطقة وادي الملوك الغنية بمقابر ملوك مصر القديمة غربي الأقصر، والذي خضع لمشروع ترميم كبير، وتحول إلى مركز لاستنساخ مقابر ملوك وملكات ونبلاء الفراعنة.

وكذلك منزل البريطاني هوارد كارتر، مكتشف مقبرة الفرعون الذهبي الملك توت عنخ آمون، والواقع أيضا على الطريق المؤدي لمنطقة وادي الملوك، الذي بات اليوم متحفا يروي للزوار قصة أحد أهم الاكتشافات الأثرية في التاريخ، وهو اكتشاف مقبرة وكنوز الملك توت عنخ آمون، كما يروي جانبا من حياة المستكشف البريطاني هوارد كارتر، الذي أقام بذلك المنزل لسنوات طوال في بدايات القرن العشرين.

بدء المرحلة الثانية لترميم قرية حسن فتحي نظرا لقيمتها التراثية والمعمارية (الجزيرة)

مشروع ترميم وإحياء

وتروي رئيسة جمعية إيزيس للثقافة والتنمية بمدينة الأقصر، شيرين النجار، حكاية مشروع ترميم وإحياء معالم قرية المهندس العالم الراحل حسن فتحي -الواقعة عند مدخل جبانة طيبة القديمة الغنية بمئات المقابر وعشرات المعابد التي شيدها قدماء المصريين- هو مشروع يعود لسنوات مضت، حين كان الدكتور سمير فرج محافظا للأقصر.

وأضافت أنه في تلك الفترة جرى طرح فكرة لتحويل القرية إلى مركز دولي لتراث منطقة الشرق الأوسط، وجرى وضع خطط عمل ذلك المركز في مؤتمر دولي شارك فيه مدير مركز التراث بمنظمة اليونسكو آنذاك، وحشد من علماء التراث والعمارة التاريخية، واستضافته مدينة الأقصر، لكن -بحسب النجار- المشروع تعثر بعد قيام ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011.

ولفتت رئيسة جمعية إيزيس للثقافة والتنمية إلى أن مطالب المعنيين بالحفاظ على التراث والعمارة التاريخية بإنقاذ معالم القرية ظلت تتردد، إلى أن تم وضع مشروع لحماية معالم القرية بالتعاون بين مصر ومنظمة اليونسكو، مشيرة إلى أن العمل بالمرحلة الأولى من المشروع قد انتهى، وأنه بدأ العمل في المرحلة الثانية، وذلك نظرا للقيمة التراثية والمعمارية للقرية.

تم وضع مشروع لحماية القرية بالتعاون بين مصر واليونسكو (الألمانية)

أحضان جبل القرنة التاريخي

يذكر أن المعماري المصري الراحل المهندس حسن فتحي كان قد أقام منازل القرية ضمن مشروع سعت السلطات المصرية إلى تنفيذه في العقد الخامس من القرن الماضي، واستهدف نقل مئات السكان الذين كانوا يقيمون في منازل شيدت فوق مقابر الفراعنة في أحضان جبل القرنة التاريخي، الذي يضم مئات المقابر التي أقامها قدماء المصريين فيما يُعرف بجبانة طيبة القديمة.

وشيد المهندس حسن فتحي القرية باستخدام مواد رخيصة من البيئة المحيطة، واشتملت منازل القرية على أبراج للحمام، وأقبية، ومشربيات استخدمت فيها فنون الأرابيسك، ومشربيات من الطوب اللبن لتكون بمثابة مرشح طبيعي للتهوية داخل تلك المنازل.

المصدر : وكالة الأنباء الألمانية