دخل غينيس بأسرع سباحة تحت الماء.. غواص من الكويت يصنع النجاح من الإعاقة

الغواص الموسوي من أبرز متحدي الإعاقة في العالم، وقد دخل موسوعة غينيس العالمية بأسرع سباحة تحت الماء لمسافة 10 كيلومترات.

3- الموسوي أول غواص من ذوي الاحتياجات الخاصة المصدر: الصحافة الكويتية
الموسوي غواص محترف من ذوي الاحتياجات الخاصة (الصحافة الكويتية)

الكويت- أحيانا يكون الإنسان مجبرا على التأقلم مع واقعه الجديد، وربما يكون لحدث ما تأثير إيجابي كبير، خصوصا إن تحلى بالصبر وعمل بجد ومثابرة، ووضع لنفسه أهدافا محددة وواضحة، سعيا لتحقيقها.

وهذا ما حدث مع بطل الغوص العالمي فيصل الموسوي (36 عاما) الذي لم يكن يتوقع أن تنقلب حياته رأسا على عقب بشكل مفاجئ، ويتغير مسارها بعيدا عن كل الحسابات، عندما تعرض -عام 2005 وهو في العشرين من عمره- لحادث سير، نتج عنه كسر في عموده الفقري، وأدى إلى شلل في أطرافه السفلية.

مثل هذه الحادثة قد تكون نهاية حياة كثيرين، لكن الموسوي -بالعزيمة والإصرار والعمل الكثير- حول خوفه من مياه البحر إلى حب كبير، والفشل إلى نجاح، فحقق حلمه الكبير بدخول موسوعة "غينيس" للأرقام القياسية، وسجّل أسرع غوصة أفقية لمسافة 10 كيلومترات، في زمن قدره 5 ساعات و24 دقيقة.

وقد أصبح الموسوي -الذي يعمل مديرا تنفيذيا لمركز الفيصل يونيفرسال للتأهيل من الإصابات وحالات التوحد- غواصا دوليا معتمدا في المياه المفتوحة، ومدربا مختصا في أساليب التحفيز والقيادة.

الجزيرة نت أجرت مع الموسوي الحوار التالي:

الموسوي يحمل علم الكويت تحت الماء المصدر: الصحافة الكويتيةالموسوي (يسار) يحمل علم الكويت تحت الماء (الصحافة الكويتية)
  • ما الذي دفعك إلى تجاوز الإعاقة وتحقيق هذا الإنجاز؟

بحثت عن كيفية تجاوز الإعاقة التي لحقت بي منذ عام 2005، فجرّبت عدة أنواع من الرياضات، لإخراج القوة الكامنة في داخلي كلاعب لكرة القدم، إلى أن اكتشفت أن الغوص هو الأفضل، رغم خوفي من البحر، لأني كدت أغرق عندما كنت صغيرا، وأيضا كنت أبحث عن رياضة لا تشعرني بإعاقتي، فتوجهت إلى رياضة تمارسها قلة من ذوي الإعاقة في العالم، كي أثبت لنفسي أني أستطيع ممارسة حياتي الطبيعية وأن أندمج في المجتمع.

  • وما الطريقة التي اتبعتها للتغلب على خوفك من الماء؟

حولت الخوف السابق لدي من البحر إلى السبب الرئيس في تغيير حياتي بعدما تغلبت عليه، وكل توفيقي في كافة المجالات لاحقا كان بسبب أول قفزة في البحر. ففي ذكرى ميلادي بعد الحادث الذي تعرضت له بـ4 سنوات، كنت أتمنى أن يتغير شيء في حياتي، ويوما ما كنت أشاهد برنامجا تلفزيونيا عن الغوص وقررت خوض التجربة، على الرغم من أن أحدا لم يوجهني إلى ذلك، بل كانت رغبة مني في تجربة أمور غير مخصصة لذوي الإعاقة، كي أثبت لنفسي أني موجود.

فكنت دائما أقول لنفسي إني عندما أتخلص من الكرسي المتحرك، أصبح كطير خرج من قفصه ونال حريته، فداخل الماء أشعر بالحرية لأن الكرسي المتحرك يذكرني بإعاقتي، وعندما جرّبت الغوص في الماء أدركت أن الجميع بحاجة لبعض، فأنا أحتاج الناس على اليابسة، وهم يحتاجونني تحت الماء.

  • كيف حضّرت لتخصصك في هذه الرياضة؟

انضممت إلى عدد من الدورات التدريبة، وخضت تحديات كبيرة قبل المرحلة الحاسمة لتحقيق حلمي بدخول موسوعة "غينيس"، وحصلت على أول شهادة تدريبية (open water) في النادي العلمي الكويتي، وهي عبارة عن 4 غوصات في حوض السباحة و5 محاضرات و5 اختبارات نظرية.

وفي أول نزول لي إلى البحر مع معدات الغوص، شعرت كأني أنزل إلى ماء المحيط، والخوف يتملكني، لكن الاختبار الأصعب في الكويت كان في جزيرة "قاروه"، وهذا غيّر حياتي لأني كسرت حاجز الخوف في داخلي ونزلت إلى مياه الجزيرة.

وبعدها اتبعت دورة للغوص في 18 مترا، ثم طمعت في الشهادة الثانية التي تليها، وشهادة غواص إنقاذ لأشخاص ليست لديهم إعاقات، وشهادة إسعافات أولية فوق الماء، وأصبحت أمتلك خبرات كبيرة، لدرجة أني أحيانا عندما أصادف حادثا في الطريق أهرع لتقديم المساعدة الطبية الأولية، ريثما تأتي سيارة الإسعاف، والجميل في الأمر أن الإنسان يستطيع أن يكون عنصراً فعالاً في المجتمع مهما كانت إعاقته.

  • ما التحديات التي تعرضت لها أثناء رحلتك مع رياضة الغوص؟

الاختبار الحقيقي لي كان خارج الكويت، فكانت أول غوصة لي في جزيرة سيبادان في ماليزيا، وبعد كل تحدٍ جديد، أطمع أكثر، فذهبت في رحلة سفاري استكشافية لمدة 10 أيام في جزر المالديف على اليخت، وكنا معزولين عن اليابسة مع 30 غواصا، وكنت الوحيد من ذوي الإعاقة، وقد كانت تجربة صعبة، لأنها تشبه نظام المعسكرات التدريبية، لكنها كانت بنفس الوقت ممتعة.

ثم قمت بالغوص في جزيرة سيميلان في تايلند، وهي مصنفة ضمن أفضل 10 جزر للغوص في العالم، وقمت أيضا بالغوص في شرم الشيخ على ثاني أفضل حطام سفينة حربية "سفينة سيسل غورم" البريطانية، وهي سفينة ضخمة بمدرعاتها ودباباتها، ومن الصعب على ذوي الإعاقة أن يدخلوها بسبب ضيق المساحات فيها، لكني قمت بذلك وحصلت على شهادة إنجاز من جمعية حماية البيئة المصرية.

وقمت كذلك بالغوص في جزيرة الملوك في إندونيسيا، وهي بعيدة عن اليابسة نحو 30 ساعة، ومصنفة أولى عالميا من ناحية الحياة المرجانية.

اكتسبت خلال الدورات خبرات كبيرة وتكتيكات جديدة تجهيزا لحلمي في دخول موسوعة "غينيس" الدولية، رغم أن رحلاتي كانت بعيدة ومتعبة، وهدفي هو تقديم رسالة عملية عن الدمج الاجتماعي.

حفل تسلم جائزة موسوعة غينيس للغواص فيصل الموسوي المصدر: الصحافة الكويتيةحفل تسلم جائزة موسوعة غينيس للغواص فيصل الموسوي (الصحافة الكويتية)
  • متى بدأ حلم الوصول إلى موسوعة غينيس؟

عام 2006 عندما كنت في أحد المجمعات داخل الكويت مع أحد الأصدقاء، قال لي أنت أبطأ إنسان على الكرسي المتحرك، وهو ما ترك أثرا في نفسي، فقررت المثابرة والاجتهاد، وأصبحت لدي ردة فعل إيجابية، ودارت الأيام والسنوات، فأصبحت عام 2018 أسرع غواص في العالم بعدما دخلت موسوعة غينيس للأرقام القياسية على مستوى ذوي الإعاقة والأصحاء، في أسرع غوصة أفقية لمسافة 10 كيلومترات في 5 ساعات و24 دقيقة، وذلك في "الغردقة" بمصر بحضور ممثلين عن الموسوعة العالمية، محطما الرقم السابق للإيرلندي "كريستوفر هيلي" المقدر بـ6 ساعات و21 دقيقة، وقد سجله عام 2011.

والحمد لله، استطعت أن أثبت للجميع أن صاحب الإعاقة موجود في المجتمع وله دوره الإيجابي، وأيضا لديه قدرات غير محدودة.

  • ما المواقف التي تواجهها في التعامل مع المجتمع؟

من المواقف المضحكة ما حدث عام 2019 في أحد المجمعات التجارية، حيث أظهر أحد الأطفال إشفاقه على حالتي، وقال لوالده: مسكين لا يستطيع المشي، فرد عليه والده أنه فيصل الموسوي، وهو أسرع  مني ومنك تحت الماء.

  • كيف ترى مستقبلك في رياضة الغوص؟

أعمل حاليا باجتهاد لتسجيل أرقام جديدة في الغوص عام 2022، لأرسخ من خلال ذلك مفهوم الدمج الاجتماعي في رياضة الغوص وغيرها.

وأوجه رسالتي للشباب، بأن الجميع لديه أحلام، فقبل الكرسي المتحرك كانت أحلامي أثناء النوم وفي الصباح أنسى كل شيء، لكن اليوم بعد الإعاقة، صار الحلم الذي أحلم به أستيقظ صباحا لتنفيذه، فمهما كانت الأهداف صعبة، نستطيع أن نحققها إن شاء الله إذا بحثنا عن الفرص وقمنا باستغلالها، خصوصا إذا ما امتلك الإنسان الإرادة القوية، فإنه يستطيع أن يحقق كل شيء.

المصدر : الجزيرة