بازار النحاسين في غازي عنتاب.. رحلة طويلة تنتهي بتحفة فنية

جانب من سوق النحاسين في غازي عنتاب (الجزيرة)
جانب من سوق النحاسين في غازي عنتاب وهو واحد من أهم المراكز التجارية في الأناضول خلال الفترة العثمانية (الجزيرة)

غازي عنتاب- لا ينقطع صوت الطرق على مدار الساعة في سوق النحاسين تمهيدًا لإنجاز المزيد من الطلبات التي تأتي من داخل تركيا وخارجها.

السوق الذي يقع في شارع إيسكي ساراي وسط ولاية غازي عنتاب جنوبي شرقي تركيا، مقابل قلعة غازي عنتاب الأثرية الشهيرة، تمتد فيه عشرات الدكاكين التي تبيع الأواني المنزلية من كؤوس وعلب السكر وأباريق الماء والشاي والقهوة وصحون الطعام ومستلزمات الحلويات وغيرها.

تمر هذه القطع برحلة طويلة لتخرج تحفة فنية تتميز عن نظيراتها العالمية في الجودة، حيث تصمد الأواني عشرات السنوات من دون أن تتأثر نظرا للجودة والمهارة والإتقان في صنعها.

جانب من سوق النحاسين في غازي عنتاب1 (الجزيرة)سوق النحاسين في غازي عنتاب يعتبر واحدا من أهم المعالم والمقاصد السياحية في تركيا (الجزيرة)

4 قرون

ويُحيي بازار النحاسين، أو كما يطلق عليه باللغة التركية "Bakırcılar Çarşısı"، تقليدا يبلغ عمره 400 عام، ويمتلئ بحرفيي النحاس الذين استخدموا فن صنع الأدوات والسلع من منجم النحاس الذي يعود إلى قرون، وهو يقع في واحد من أهم المراكز التجارية في الأناضول خلال الفترة العثمانية.

ويستضيف البازار متاجر تعمل بشكل رئيسي في تجارة النحاس، والواجهات الأمامية للمحلات التجارية في هذا البازار مبنية من الحجر الجيري الصلب، وتأخذ شوارع السوق المرصوفة بالحجارة كل الزوار المحليين والأجانب في رحلة عبر التاريخ، إذ يعتبر السوق واحدا من أهم المعالم والمقاصد السياحية في تركيا.

وتُقام في غازي عنتاب منذ عام 2012 دورات تعليمية لتطوير فنون النقش على النحاس واللؤلؤ، بالتعاون بين غرفة صناعة النحاس واللؤلؤ والمديرية العامة لوكالة التوظيف التركية.

والتحق بالدورات التعليمية منذ التاريخ المذكور 700 متدرب، بينهم 500 امرأة. وتهدف الدورات التعليمية إلى إحياء هذه الحرفة وتعليم ممارستها للنساء كي لا تظل حكرا على الرجال، إلى جانب إكساب المتدربين مهنة يعتمدون عليها في حياتهم.

أثناء عمل أحد العاملين في الصناعات النحاسية وبجانبه يعرض مصنوعاته للبيع (الجزيرة)عامل أثناء انشغاله بالصناعة النحاسية وبجانبه عرض لمصنوعاته (الجزيرة)

4 آلاف صنف وقطعة

وفي نقاط البيع، بمختلف الدكاكين والمعارض بالسوق، توضع الأواني والمنتجات في رفوفها بعناية فائقة، وتقدم للزبائن بشكل فردي أو بالجملة.

وحسب "الأوسطا" (المعلم) حسن الذي يعمل في هذا المجال منذ 30 سنة، فإن العملية تبدأ بشراء المواد الخام من أسواقها المخصصة، لتنقل إلى الورش التي تعمل على تهيئة النحاس وفق قوالبها المطلوبة بعد قطعها ولحامها، لتصل إلى مرحلة النقش أو الرسم أو الحفر، وتنتهي بالصقل والتلميع والطلاء أحيانا بالذهب أو حسب الطلب والرغبة.

ويقول حسن للجزيرة نت "هناك نحو 4 آلاف صنف وقطعة يتم إنتاجها تشمل جميع الحاجيات من الكؤوس والصواني وحاملات المصاحف والشمعدان وأبارق الشاي وأطقم الحمامات".

وفيما يخص التصدير إلى الأسواق العربية، أوضح أن "هناك اهتماما من المنطقة العربية، وخاصة من دول الخليج مثل قطر والإمارات والسعودية والبحرين، فضلًا عن لبنان".

مدخل أحد دكاكين سوق النحاسين في غازي عنتاب (الجزيرة)مدخل أحد دكاكين سوق النحاسين في غازي عنتاب وتظهر الأدوات المنزلية النحاسية (الجزيرة)

ويذكر أن ما يلفت نظر الزبائن العرب مجموعات الشاي والقهوة وعلب السكر وكؤوس اللبن والصواني التي يدخل فيها خشب شجرة الزيتون المعمرة. كما أشار إلى أن اليد العاملة السورية دخلت مجال صناعة النحاس بتركيا فدعمتها بقوة.

من جهته، يقول بائع الأدوات المنزلية النحاسية جودت أفندي إن "أواني النحاس التي نصنعها ونبيعها رخيصة وذات جودة عالية، والأكل فيها يحسن أداء الجهاز الهضمي ويحفز عمل الدماغ، كما أن الطهو في الأواني النحاسية لا يدمر سوى القليل من القيمة الغذائية للطعام".

قلعة غازي عنتاب الأثرية (الجزيرة)قلعة غازي عنتاب الأثرية بمحافظة غازي عنتاب التي تعد سادسة المدن التركية من حيث عدد السكان (الجزيرة)

معالم غازي عنتاب

ومحافظة غازي عنتاب هي سادسة المدن التركية من حيث عدد السكان، وعرفت بـ"عنتاب" لكن البرلمان التركي أضاف إلى اسمها كلمة "غازي" عام 1921.

يرجع تاريخ غازي عنتاب إلى عهد الحثيين الذين أسسوا إمبراطوريتهم في بلاد الأناضول قرابة عام 1600 قبل الميلاد، ثم خضعت لحكم العديد من الإمبراطوريات والدول التي تعاقبت على بلاد الأناضول كالكلدانيين والبابليين والآشوريين والفرس والمقدونيين والإغريق والرومان والبيزنطيين والأرمن والساسانيين والعرب.

تنبئ معالم المدينة وما حولها الزائر بقصة التاريخ الساكن بين جنباتها، ففيها مدينة زقمة الأثرية على نهر الفرات التي اتخذها الرومان عاصمة لفيالقهم، وقلعة غازي عنتاب العائدة للعصر البرونزي وكنيسة كندرلي التي بنيت عام 1860 على أيدي المبشرين الفرنسيين في عهد نابليون الثالث، إضافة إلى المساجد العريقة التي يحكي كل منها سيرة العصر الذي بني فيه كمسجد البويجي والشرواني والعمرية.

احد المساجد التاريخية في مدينة غازي عنتاب (الجزيرة)احد المساجد التاريخية في مدينة غازي عنتاب (الجزيرة)

توجد في المدينة عشرات المتاحف الحكومية والخاصة، ومنها متاحف تخصصية مثل متحف الآثار ومتحف العصر الحجري الحديث والعصر النحاسي وغيرها، إضافة إلى حديقة حيوانات كبيرة وفنادق ومتنزهات وحمامات تركية، وقد افتتح فيها مركز تسوق ضخم عام 2009 هو "سانكو بارك" الذي يستقطب الزوار والتجار من خارج تركيا.

وتوصف غازي عنتاب أيضا بأنها "عاصمة فن الطهو"، كما تم تصنيفها في موقع اليونسكو الإلكتروني للمدن الإبداعية، حيث تفتخر بثقافة طعام غنية، وقد اعتاد السكان المحليون أن يبدؤوا يومهم بتناول حساء "بيران"، وهو حساء مطهو بدرجة حرارة عالية تضمن للحم الغنم نضجا أكيدا، وهناك ما يقرب من 400 نوع من الأطعمة المحلية، كما تشتهر بالعديد من أنواع البقلاوة، ويصفها السياح والزائرون في كثير من الأحيان "بمدينة زيادة الوزن".

المصدر : الجزيرة