الثقب الأزرق في دهب.. "ندّاهة" عاشقي الغوص حول العالم

نصب تذكاري لغطاسين محترفين لقوا حتفهم بمنطقة الموت في دهب (الجزيرة)
نصب تذكاري لغطاسين محترفين لقوا حتفهم بمنطقة الموت في دهب (الجزيرة)

ارتبطت أسطورة "النداهة" بامرأة جميلة تنادي على ضحاياها ممن يختفي أثرهم بعد استجابتهم لصوتها الشجي، ولعل هذا ما ينطبق على محمية الثقب الأزرق "البلوهول"، بمدينة دهب بمحافظة جنوب سيناء في مصر، تلك البقعة الساحرة المصنفة ضمن أفضل أماكن الغوص في العالم، والتي بسبب انتشار حوادث الغرق فيها، أصبحت تتردد أسطورة هناك حول تحول الحفرة إلى منطقة ملعونة من شبح فتاة منتحرة هربا من إجبارها على الزواج.

"مقبرة الغطاسين، منطقة الموت، الحفرة الملعونة"، مسميات عديدة ارتبطت بتلك البقعة الزرقاء، والتي رغم جمالها الأخاذ، نظرا لتكوينات الضوء المتداخلة مع تشكيلات الشعاب المرجانية والأحياء البحرية المتنوعة كأسماك الأنقليس والأنواع الأخرى؛ إلا أن ذلك لم يمنع من تصنيفها ضمن أخطر مناطق الغوص أيضا، نظرا للتاريخ الحافل بالضحايا المفتونين بجمالها ممن غطسوا ولم يعودوا للسطح بعد أن استقرت جثثهم بالأعماق.

يشار إلى أن الحفرة -أو كما تسمى بالثقب الأزرق- تشكلت بفعل مذنب؛ لتتحول إلى صورتها الحالية التي تتضمن ثقبا عميقا يصل عمقه لنحو 130 مترا، إضافة لوجود نفق أو قناة يسمى بالقوس أو القنطرة، وطوله نحو 26 مترا بعمق 56 مترا، وهو نقطة الاتصال بين الثقب ومياه البحر العميقة. كما توجد فتحة ضحلة تسمى بالسرج بعرض 6 أمتار.

بنظرة واحدة تستطيع التعرف على الثقب الأزرق حينما تذهب إلى البقعة خصوصا أنه قريب من الشاطئ، ويمتاز بتجمع الكثير من الزوار، الذين يتجهون لمشاهدة الشعاب المرجانية والكائنات البحرية عبر الطفو فوق الماء، ومن خلال نظارات المياه، كما أن لون المياه الأزرق الغامق يميزها عن غيرها من باقي الشاطئ، وهو ما يرجع إلى عمق البقعة التي تكون عادة باردة بصورة ملحوظة نظرا لعمق الماء الكبير.

وبالذهاب للشاطئ تستوقفك العديد من الشواهد الرخامية المثبتة على الجبل الموازي للشاطئ، والمنقوش عليها أسماء وتواريخ وعبارات بلغات مختلفة تخلد ذكرى الغطاسين ممن غرقوا للغوص بالثقب الأزرق، والتي تتضمن تواريخ مختلفة قديمة وحديثة وضعها أهالي الضحايا المنكوبين للغرقى.

وفق الغواصين المحليين، فإن هناك أعدادا كبيرة من الغواصين لقوا حتفهم خلال تنظيم رحلات الغوص هناك، ويصل عددهم إلى نحو 200 غواص خلال السنوات الأخيرة، منهم 150 انتشلهم الغطاس طارق عمر الملقب بشيخ الغطاسين.

أنواع الغطس

يبقى هنا السؤال عن أسباب الغرق المتكرر في منطقة البلوهول، وهو ما أجاب عنه محمد شوقي خبير الغوص، للجزيرة نت قائلا، "يوجد 3 أنواع من الغطس، التي يتم تنظيمها في منطقة الثقب الأزرق، وأولها الغوص الحر، وهو نوع صعب يعتمد على توازن النفس وقدرة الغواص على تنظيم التنفس بدون أسطوانات الهواء، وهناك محطات لغواصين موجودين بالأعماق لإعانة الغواص خلال محاولته الوصول إلى مناطق أكثر عمقا بدون أسطوانات الهواء، مؤكدا أن أصعب ما يواجه هذا النوع هو عملية الصعود نظرا لتشكيلات الشعاب المرجانية والتفرعات".

وأضاف أن النوع الثاني هو الغطس الترفيهي، ويكون من خلال أسطوانات الهواء، ولهذا النوع من الغطس عمق معين، وهو 42 مترا تحت سطح البحر حدا أقصى؛ إلا أن العمق الآمن هو 30 مترا، متابعا أن مكمن الخطورة هنا انخفاض الضغط المفاجئ؛ مما يؤدي إلى تحول النيتروجين إلى حالة غازية خصوصا كلما زاد العمق عن 10 أمتار، موضحا أن الهواء المضغوط الذي يتم استنشاقه يجعل الجسم يمتص نسبة من النيتروجين، والذي يذوب في الدم، وهو أمر لا بد أن يكون محسوبا حيث إن النيتروجين له حد أقصى للامتصاص، وكلما زاد العمق كلما زاد معدل الامتصاص للنيتروجين، وهو الأمر الذي يحد من الوقت المسموح للغوص، وينذر الغواص بالصعود للسطح، وعدم حدوث ذلك يؤدي إلى حوادث الغوص داخل بقعة الثقب الأزرق في ظل الانجذاب لها من الغواصين، وعدم المواءمة بين الوقت والعمق المسموح.

ولفت إلى أن النوع الثالث هو الغوص التقني، الذين يحتاج إلى خبرة طويلة للغواص ويكون العمق أعلى من 45 مترا، ويجب هنا إجراء حسابات معقدة للربط بين استخدام غاز الأكسجين والهيليوم والنيتروجين؛ ليكون الاستخدام متوائما مع طبيعة العمق؛ إلا أنه أحيانا تحدث كوارث بسبب استخدام الغاز الخاطئ في العمق الخطأ؛ لأن لكل عمق طريقة معينة في التعامل مع أسطوانات الهواء.

من جهته يقول عمرو، وهو مدرب غوص بأحد مراكز الغطس بمحافظة جنوب سيناء، إن منطقة الثقب الأزرق من المناطق المثالية لمحبي رياضة الغوص؛ إلا أن زيادة عدد الضحايا، بسبب عدم اتباع التعليمات والنزول لمناطق أعمق من المسموح بها، وهي 40 مترا كحد أقصى، متابعا قوله إن أي غوص يحتاج إلى تطبيق وتنفيذ جداول الغوص من حيث العمق والوقت.

البلوهول طبيعة ساحرة؛ لكنها قد تكون قاتلة لمحبي رياضة الغوص (مواقع التواصل)

انبهار

وأضاف للجزيرة نت أن أبرز أسباب الغرق في الثقب الأزرق الانبهار بمنظر الشعاب المرجانية، والرغبة في النزول للأعماق لمشاهدة المزيد من المناظر الرائعة رغم وجود معايير استرشادية خلال الغوص الترفيهي؛ إلا أن بعض الغواصين يصلون إلى 52 مترا بمنطقة القوس، وهنا تبدأ المصيبة حيث يتعرض الغواص إلى عرض "تخدر الأعماق" عند هذا العمق، وأما الاحتمال الثاني، فهو انتهاء الهواء في الأعماق بسبب الضغط الكبير بدون شعور الغواص بانتهائه، فيموت غرقا.

وأوضح أن تخدر الأعماق، أو ما يسمى بتأثير ناركوزيز، مشكلة كبيرة شائعة تقع بداية من عمق 30 مترا، وفي ظل ارتفاع نسب غازات معينة كغاز النيتروجين في ضغط مرتفع بفعل العمق الشديد، ما يعرف باسم تركيز الضغط الجزئي، وهو "تخدر الأعماق" (nitrogen narcosis)، مؤكدا أن مكمن الخطورة هنا هو التصرفات غير المسؤولة التي قد يقوم بها الغواص، إذ يصاب باضطرابات عقلية وهلوسة وتأخر في الاستجابة للمؤثرات بما يشبه الوقوع تحت تأثير الكحول.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

اعتاد فارس التجول في المناطق الطبيعية بمصر والتخييم هناك أياما عدة بحثا عن الهدوء وهروبا من ضغط الحياة في المدينة واستمتاعا بالمناظر الخلابة التي اعتاد على تصويرها، خاصة النجوم.

المزيد من منوعات
الأكثر قراءة