هكذا استعان لبناني ثري بفرنسا لاستعادة 20 مليون دولار من البنوك اللبنانية

العدالة الفرنسية ساعدت الشاب اللبناني نبيه ناصر في قضيته بالاستفادة من بعض الثغرات (شترستوك)
العدالة الفرنسية ساعدت الشاب اللبناني نبيه ناصر في قضيته بالاستفادة من بعض الثغرات (شترستوك)

يسعى أثرياء الشرق الأوسط الذين أودعوا أموالهم في البنوك اللبنانية لاستعادتها عن طريق التحايل على الإجراءات لمراقبة رؤوس الأموال غير الرسمية التي تفرضها البنوك على اللبنانيين.

وذكر الكاتبان جوليان بويسو وفيرونيك شوكرون في تقرير نشرته صحيفة لوموند (lemonde) الفرنسية أنه بتاريخ الرابع من أكتوبر/تشرين الأول 2019 لم يكن الاقتصاد اللبناني قد انهار بعد، ولم تكن الانتفاضة الشعبية اندلعت، وكان نبيه ناصر يعتقد أن لديه 20 مليون دولار في حسابه لدى بنك سوسيتيه جنرال بلبنان.

استفاد الشاب البناني الأصل والمولود عام 1993 في بلغاريا كثيرا من ثروة والديه، وبعمر 26 سنة أصبح من مدراء شركة والده، وهو يدير نادي البرج لكرة القدم الذي يملكه والده أيضا، فضلا عن أنه مطور عقارات.

وفي أكتوبر/تشرين الأول 2019 أصبح مبلغ 20 مليون دولار يثير قلقه، فمن الصعب ببيروت العثور على الدولار، وكان محافظ مصرف لبنان رياض سلامة ملزما بالإقرار بأن "الطلب على الدولار ازداد"، لكنه قلل خطورة الأمر.

وأوضح سلامة في التلفزيون اللبناني الرسمي أن هذه الزيادة "ربما" سببها "محلي"، وهو "محطات الوقود والمخابز والصيدليات بسبب دولرة الاقتصاد على حساب الليرة اللبنانية".

البنك اللبناني يشك بمصدر أموال نبيه ويشتبه في أن والده فادي ناصر هو المستفيد الحقيقي (شترستوك)

على القائمة السوداء

بدأ النسيج الاقتصادي في لبنان نهاية العام الماضي بالانهيار، وتحولت المليارات التي تتدفق على مدى عقود في حسابات بمعدلات فائدة تتراوح بين 12 و14% وحتى 20% لجذب الدولارات إلى كمية كبيرة من الديون يصعب على الدولة سدادها، وتتجاوز النسبة 150% من الناتج المحلي الإجمالي للبلد، وهي من أعلى المستويات في العالم، فقرر لبنان التخلف عن التسديد.

وفي الأول من أكتوبر/تشرين الأول 2019 أعلنت مؤسسة موديز الأميركية "مراقبة" تصنيف الديون السيادية، وبتاريخ الرابع من الشهر ذاته توجه نبيه ناصر إلى فرع سانت تشارلز التابع لبنك سوسيتيه جنرال في لبنان لسحب أمواله فرفض طلبه.

رسميا، لا علاقة لذلك بنقص السيولة، فالبنك اللبناني يشك بمصدر الأموال ويشتبه في أن والده فادي ناصر هو المستفيد الحقيقي من الحساب، وذلك لأنه في سبتمبر/أيلول 2018 أدرجت وزارة الخزانة الأميركية الأب فادي ناصر في القائمة السوداء متهمة إياه بتسليم النفط والغاز للنظام السوري عبر شركته "ناسكو بوليمرز آند شميكلز" (Nasco Polymers & Chemicals)، وشركته الأخرى "سونيكس" للاستثمارات (sonex investments) ومقرها الإمارات، وفي مايو/أيار 2019 أمر البنك المركزي بنك سوسيتيه جنرال في لبنان بتحويل دولارات ناصر إلى الليرة اللبنانية هربا من العقوبات الأميركية.

لم يرد بنك سوسيتيه جنرال في لبنان على الفور على الشكوك التي تثقل كاهل عميله، وتلقى تحذيرا من لجنة التحقيق الخاصة التابعة للمؤسسة النقدية اللبنانية في الثامن من مارس/آذار 2019، ولم يتردد بعد شهر ونصف في فتح حساب لعميله أودع فيه (20 مليون دولار) بفائدة 6.75% على 6 أشهر.

الخلاف بين ناصر والمصرف يلخص الصعوبات التي يعاني منها اقتصاد لبنان (شترستوك)

اقتصاد ريعي

وبحسب كاتبي المقال، فإنه ربما أراد بنك سوسيتيه جنرال في لبنان تجنب نزيف الدولارات، وربما كانت أموال نبيه ناصر مشبوهة.

ويلخص الخلاف بين ناصر والمصرف الصعوبات التي يعاني منها اقتصاد لبنان الريعي وتفاوتات صارخة أصبح من غير الممكن تحملها بعد انفجار مرفأ بيروت.

انتقلت القضية اللبنانية في النهاية إلى فرنسا أواخر عام 2019، وخطرت على بال محاميه اللبناني جاد قبيسي أنه "إذا رفض البنك سداد ما يدين به لعميله فلماذا لا يلجأ إلى فرنسا؟".

وفي يوليو/تموز 2018 اشترى بنك سوسيتيه جنرال في لبنان شركة "ريشوليو" المالية، وهي مجموعة لإدارة الثروات، ونجحت هذه الخطة بالفعل، ففي نوفمبر/تشرين الثاني 2019 سمح قاضي التنفيذ في المحكمة الابتدائية الكبرى في باريس للمطور العقاري اللبناني الشاب بتنفيذ حجز تحفظي بقيمة 20 مليون دولار على أسهم الشركة التابعة للبنك الخاص.

ومع ذلك، لم ينته الصراع بعد، إذ وحده النظام القضائي اللبناني القادر على دعم أي من الطرفين، لكن الإجراءات الفرنسية اتخذت تدبيرا استثنائيا لدفع بنك سوسيتيه جنرال في لبنان للتفاوض مع عميلها.

وتم اقتراح تسوية بداية فبراير/شباط 2020، فلجأ البنك اللبناني إلى المحاكم الفرنسية للمطالبة برفع الحجز، متعللا بالأصل الغامض لأموال نبيه ناصر، لكن عشية جلسة الاستماع أرسل بنك سوسيتيه جنرال في لبنان شيكا لعميله بمبلغ (32 مليار ليرة)، أي بسعر الصرف الرسمي بالليرة اللبنانية مقابل رصيده (20 مليون دولار).

ومنذ نهاية صيف 2019 تراجعت قيمة العملة اللبنانية، ولم تعد البنوك اللبنانية تسلم عملاءها دولاراتهم التي أودعوها، وإنما ليرة لبنانية بسعر 3500 ليرة للدولار (في السوق السوداء 7 آلاف ليرة مقابل دولار واحد)، لذلك لم يصرف الشيك، ولم يقبل المليونير الشاب "بمبلغ أقل بـ4 مرات من المبلغ المودع في الحساب" كما يؤكد محاميه الفرنسي فيكتور تشامبي.

المليونير الشاب لم يقبل شيكا بالليرة اللبنانية يقل 4 مرات عن المبلغ المودع بالدولار (شترستوك)

تدابير رقابة غير رسمية

ساعد القضاء الفرنسي الشاب اللبناني في قضيته، فبنك سوسيتيه جنرال بلبنان يمتلك بنك سوسيتيه جنرال الفرنسي بنسبة 17% من رأس ماله، وفي العاشر من أغسطس/آب رفضت القاضية الباريسية سيسيل تاراس رفع الحجز عن رأس مال الشركة المالية "ريشوليو"، معتبرة أنه "لم يثبت بأي حال" قرار تجميد أصول حساب ناصر، وأنه "لم يتم إثبات" أنه لم يمتثل للإعلان عن مصدر الأموال.

ونقلت الصحيفة عن مصرفي يتابع تطور القطاع في لبنان أنه "عمليا، أفلست البنوك اللبنانية ولم يعد لديها رأس مال، لأن لها ديونا لم تعد الدولة قادرة على سدادها، وفقا لمعايير التدقيق الدولية".

وتصمد البنوك اللبنانية بفرض إجراءات رقابة غير رسمية على رؤوس أموال دون وجود أي قانون يخولها القيام بذلك، وتم تقييد عمليات السحب المصرفية اللبنانية منذ ديسمبر/كانون الأول 2019، ومنذ مارس/آذار 2020 لم يعد بإمكان أصحاب الحسابات الحصول على الدولار.

ويقول مصدر مقرب من الحكومة المستقيلة إن "عددا قليلا من الشخصيات المرموقة استفادت من العلاقات مع رؤساء البنوك، وتمكنت من نقل أموالها للخارج، خاصة سويسرا".

وحاول نبيه ناصر أن يسلك طريقا آخر باستخدام العدالة الفرنسية، فوضعه لن يجد التعاطف بين صفوف اللبنانيين الغارقين في الفقر، وقد تدفقت الدولارات على لبنان من جميع الجهات في السنوات الأخيرة بسبب أسعار الفائدة غير الحقيقية التي تفرضها بنوكها، الجميع الآن يريد استعادة حصته، أثرياء الشرق الأوسط وكذلك الشركات.

المصدر : لوموند

حول هذه القصة

المزيد من منوعات
الأكثر قراءة