نقل جثث المتوفين بكورونا في العراق.. حياة أخرى بين الموتى

لحظة نقل جثمان أحد المتوفين بكورونا إلى المقبرة (الجزيرة)
لحظة نقل جثمان أحد المتوفين بكورونا إلى المقبرة (الجزيرة)

يحاول السائق علي ناصر أن يأخذ قسطا من الراحة لساعتين على أقل تقدير، ثم الاستعداد باكرا لنقل وجبة أخرى من جثامين المتوفين بفيروس كورونا، من مدينة الناصرية جنوب العراق إلى المقبرة الجديدة المخصصة لهم في مدينة النجف، والتي يُنقل إليها الموتى على مدار الساعة من مختلف مدن العراق.

وعلي ناصر، (31 عاما) سائق سيارة إسعاف من الناصرية ومنتسب في طِبابة هيئة الحشد الشعبي، التحق بدائرة صحة ذي قار بصفة متطوع لنقل جثامين المتوفين بكورونا، وهو الوحيد الذي يوجد بشكل يومي عند دائرة الطب العدلي، المكان الذي يتم منه نقل المتوفين.

وبينما تظهر على وجهه آثار الكمامة والقناع الذي يرتديه دائما، يتذكر علي جيدا الطريق الذي يقطعه يوميا، منذ التحاقه بهذه المهمة في نهاية أبريل/نيسان 2020، وكيف نقل أكثر من 300 متوفى بكورونا، طوال تلك المدة وحده، دون أن يحصل على دعم من سائقين آخرين إلا بعد مرور أشهر.

علي ناصر بانتظار نقل أحد المتوفين بكورونا للمقبرة (الجزيرة)

بلا مرافق

يقول علي للجزيرة نت "أقطع يوميا، مسافة ما يقارب (350 كلم) من الناصرية إلى النجف بوقت يصل لأكثر من 10 ساعات ذهابا وإيابا، أحمل معي أكثر من جثمان، ولا أحد يرافقني، حيث جثث المتوفين هي كل ما أنقله".

ويضيف "لم يكن المشهد غريبا بالنسبة لي، كنت سابقا أرافق القطعات العسكرية في الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية، وأنتقل بين القذائف والصواريخ، حاملا الجرحى والقتلى الذي يسقطون في المعارك".

ويؤكد أنه رأى مشاهد صعبة طوال سنوات الحرب، وفقد أباه على إثرها وهو يسعف الجرحى أيضا حيث قتل أثناء أداء واجبه، وفكر عليّ مواصلة وإكمال المهمة سواء في وقت الحرب أو المواجهة ضد كورونا.

"تعرضت للإصابة مرتين بفيروس كورونا، وشعرت بالأعراض، لكني لم أترك المهمة وواصلت عملي، مخاطرا بحياتي، والهدف هو دفن المتوفين بأقصى سرعة"، هكذا يروي علي ما حصل له.

لا يرافقني أحد، سوى عصير البرتقال الذي يكون دائما في السيارة، فهو بمثابة مشروب طاقة، لم أتخل عنه، كما يقول، وأعتقد أن مناعتي تحسنت به، ولهذا كان شعوري بالإصابة طفيفا وواصلت عملي، لكن قبل أكثر من شهر تم تكليف سائق سيارة إسعاف جديد معي لنقل الجثامين لتقليل العبء عن كاهلي قليلا.

يؤكد علي أنه جاهز في أي وقت لأخذ جثامين المتوفين، وفي جميع الأوقات دون كلل أو ملل، وفي كل مرة يذهب بها إلى المقبرة للدفن هناك، كان يحمل بالعادة، أربع جثث أو خمسا، ويعود في بعض الأحيان مرة أخرى لنقل جثامين جديدة إلى النجف.

تعقيم سيارة الإسعاف قبل نقل المتوفى بكورونا ( الجزيرة)

مخاطر الطريق

وبالتزامن مع مخاطر فيروس كورونا والتعامل مع جثامين المتوفين، كان علي يخشى من عراقيل الطريق وصعوبة السير عليه وازدحام الشوارع وهو يحمل الجثث واللامبالاة التي ترافق السائقين على الطرق العامة، بل حتى نقاط السيطرة كانت تتأخر في إجراءاتها في بادئ الأمر حتى تسمح لنا بالمرور.

يوضح المتحدث باسم صحة ذي قار الدكتور صلاح غياض للجزيرة نت أن نقل المتوفين بكورونا يتم بتنسيق وتعاون بين إسعاف ذي قار وقسم عمليات دائرة صحة المحافظة وهيئة الحشد الشعبي.

وسجلت ذي قار منذ بدء تفشي كورونا نهاية فبراير/شباط الماضي 455 حالة وفاة بكورونا، وهو المعدل الأعلى بعد العاصمة بغداد ومقارنة بمحافظات أخرى.

ردهات عزل المصابين بكورونا (الجزيرة)

وقد توقفت عملية نقل جثث المتوفين بكورونا يوم 27 يوليو/تموز بعد قرار وزارة الصحة بدفن المتوفين بالمرض في المقابر الاعتيادية ولا حاجة لأن يتم دفنهم بمقابر خاصة.

ورغم هذا القرار، يؤكد علي استعداده للعودة من جديد في حال ازدياد أعداد الوفيات، مؤكدا أنه موجود دائما، وقد ينتقل لنقل المتوفين إلى المغتسل الخاص بهم بدل من نقلهم إلى مقبرة النجف.

يُنهي علي أخيرا مشوار رحلة طويلة قضاها مع جثامين الموتى، متذكرا كل المواقف والمشاهد الصعبة التي مرت عليه، وهو يقف عند باب دائرة الطب العدلي، حيث صراخ الأمهات والآباء والأطفال على فقدان أحبتهم، إذ يتم نقلهم دون تشييع أو جنازة أو حتى مراسيم دفن تقيمها العائلة.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من منوعات
الأكثر قراءة