كورونا والمحمية الوطنية في ماليزيا.. انتعاش للحياة البرية وتراجع كبير للسياحة

منتجع داخل الغابة وقد صمم ليتناسب مع أجوائها (الجزيرة)
منتجع داخل الغابة وقد صمم ليتناسب مع أجوائها (الجزيرة)

ما إن شاهد رشدان بن صالح قاربا يجوب نهر تمبلينغ حتى سارع إلى اللحاق به ودعوة من فيه لزيارة منتجعه الشعبي المهجور من السياح والزوار، فكان فريق الجزيرة نت أول من دخل المنتجع داخل المحمية الوطنية في ماليزيا بعد أكثر من 3 أشهر من الهجران.

فقد أجبرته إجراءات الإغلاق وتقييد الحركة على الانقطاع مع أسرته عن العالم، والتحصن داخل المحمية الطبيعية التي انقطع عنها الزوار المحليون والأجانب، وعندما بدأ أفراد العائلة المكونة من أب وأم و4 أولاد يشاهدون الحيوانات البرية تقترب من مسكنهم تحولت الخلوة في الغابة الاستوائية تدريجيا إلى متعة.

ويتحدث بن صالح عن نشوة أولاده برؤية عائلات الفيلة تجوب المكان بحرية كاملة دون فزع من الغرباء، بل إن أولاده يتبارون في تقليد أصوات الفيلة الصغيرة والكبيرة، ولم يكونوا قد سمعوا أصواتها من قبل رغم معيشتهم في الغابة.

الهدوء وتوقف حركة البشر بمن فيهم السياح وفرا أجواء غير معتادة للحيوانات البرية (الجزيرة)

بيئة الغابة

ويؤكد الخبير في شؤون بيئة الغابات آلان رودريغو بالان أن توقف الأنشطة البشرية بشكل كامل لعدة أسابيع ترك أثرا إيجابيا على بيئة المحمية الوطنية في ماليزيا، وخفض مستوى التلوث والضوضاء إلى حد كبير.

ويضيف بالان في حديثه للجزيرة نت أن الهدوء وتوقف حركة البشر -بمن فيهم السياح- وفرا أجواء غير معتادة للحيوانات البرية، وشجعاها على التحرك بحرية والاقتراب من الأماكن التي كانت حكرا على السياح والعاملين في المجال السياحي.

وبحسب آلان -وهو رئيس فريق وزارة البيئة في المحمية الوطنية- فإن الخبراء يقدرون عمر الغابة الاستوائية المطيرة بنحو 130 مليون سنة، مما يجعلها تنافس غابات الأمازون في القدم والتنوع الطبيعي الواسع، سواء من الحيوانات البرية المعروفة أو الحشرات والزواحف التي لا يمكن إحصاؤها.

وقد أعلنت الغابة -التي تبلغ مساحتها 4343 كلم مربعا- محمية طبيعية عام 1939 في عهد الاستعمار البريطاني، وأطلق عليها محمية الملك جورج الخامس، ثم سميت بعد الاستقلال عام 1957 "المحمية الوطنية الماليزية"، وتمتد مساحتها إلى 3 ولايات، هي باهانغ وكلنتان وترينغانو، وتضم ولاية باهانغ أكثر من نصفها (57%).

ويقول آلان إن العاملين في الغابات لاحظوا أنواعا كثيرة من الطيور التي كانت قد اختفت منذ وقت بعيد من محيط الأماكن التي يرتادها السياح، وكان هواة مشاهدة الطيور البرية يضطرون إلى البقاء لوقت طويل في عمق الغابة لرؤيتها، لكنها أصبحت تشاهد في الأسابيع الأخيرة في جميع الأماكن وبالقرب من المطاعم والمنشآت الفارغة.

اقتحام الحيوانات

وتؤكد نسريمة بنت عثمان -التي قضت 30 عاما في منتجع ماتيارا- أن جائحة كورونا تركت أثرا إيجابيا على الحياة البرية في المحمية، حيث أصبحت الحيوانات البرية أكثر ألفة، مما يفسر تجرؤ مختلف أنواع الحيوانات البرية على اقتحام المنتجع لوفرة الأغذية فيه، حيث لم تجن ثمار الفواكه المختلفة المزروعة في المنتجع لعدة أشهر.

أعمال الصيانة يجب أن تبقى مستمرة للحفاظ على الأبنية والممرات الخشبية (الجزيرة)

وتنشغل نسريمة في الإشراف على ترميم منتجع ماتيارا الذي تأسس عام 1990، وإصلاح ما أفسدته الفيلة قبل إعادة افتتاحه المقرر مع نهاية يونيو/حزيران الجاري، وتنسجم جميع أبنية المنتجع مع طبيعة الغابة، حيث إن الأخشاب هي المادة الأساسية لبناء الغرف والأكواخ.

وتقول نسريمة للجزيرة نت إن أعمال الصيانة يجب أن تبقى مستمرة للحفاظ على الأبنية والممرات الخشبية، وإن غياب المتابعة لأكثر من 3 أشهر تسبب بمشاكل كبيرة، مثل تأكل الأخشاب من دودة الأرض والنمل الأبيض، وتساقط أوراق الشجر الكثيف أو النمو السريع للأعشاب باستمرار وفي جميع أنحاء المنتجع.

أما الفيلة فلها قصة أخرى مع نسريمة، حيث تستهدف أنابيب وخزانات المياه بحثا عن مياه الشرب، وتدمر أعمدة السياج المحيط بالمنتجع، وتتتبع مصادر الطعام في كل مكان، وقد تدمر الأماكن الذي يخزن فيها، وتقول إنها لاحظت لأول مرة منذ وجودها في المنتجع عبور الحيوانات البرية -بما فيها الفيلة- نهر تمبلينغ.

وتعرب نسرينة عن اعتقادها بأن جائحة كورونا أكبر كارثة أضرت بسياحة الغابات منذ عقود، وتضيف للجزيرة نت أنها شهدت العديد من الكوارث، مثل الفيضانات التي كان آخرها فيضانات عام 2014، لكن أثرها على السياحة كان محدودا، لأن السياحة الخارجية لم تتوقف.

أما رئيس جمعية المرشدين السياحيين في المحمية الوطنية رسلان أبو قاسم فيقول إن نحو 170 مرشدا سياحيا باتوا عاطلين عن العمل، إضافة إلى مئات العاملين في القوارب أو المطاعم والمنتجعات الأكواخ، وإن جائحة كورونا فاقمت مشكلة تراجع السياحة الذي شهدته ماليزيا العام الماضي، وتحول العشرات من المرشدين السياحيين إلى الزراعة.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من منوعات
الأكثر قراءة