جولة بين مساجد القاهرة التاريخية على أوراق النقد المصرية

مساجد القاهرة التاريخية تزين العملات الورقية المصرية منذ العام 1913 (الجزيرة)
مساجد القاهرة التاريخية تزين العملات الورقية المصرية منذ العام 1913 (الجزيرة)

أجبرت جائحة كورونا مدينة الألف مئذنة (القاهرة) على إغلاق أبواب مساجدها التي ظلت مفتوحة وعامرة لمئات السنين.

وصار المصريون يتوقون شوقا إلى بيوت الله، ويترقبون لحظات العودة، ويصبّرون أنفسهم بالحديث عن ذكرياتهم مع مساجد القاهرة الشهيرة بمآذنها الشامخة وقبابها العتيقة الشاهدة على التاريخ.

وقد لا يدرك بعض المصريين أن المساجد ترافقهم أينما حلوا، فكل العملات الورقية المصرية المتداولة حاليا تحمل على أحد وجهيها صورة لمسجد شهير، وهو تقليد تاريخي بدأ منذ العام 1913 واستمر إلى اليوم.

عبر العملات المصرية المختلفة نطوف في جولة تعريفية ببعض أشهر المساجد التاريخية التي وضعت صورها على البنكنوت المصري منذ مطلع القرن العشرين.

مسجد السلطان قايتباي

نبدأ جولتنا من مسجد السلطان الأشرف قايتباي في صحراء المماليك (شرقي القاهرة)، فهو أول المساجد التي ظهرت على العملات الورقية المصرية، وما زال إلى اليوم رمزا للجنيه المصري.

يعود المسجد إلى عهد السلطان قايتباي (872-901هـ) أشهر ملوك دولة المماليك الجراكسة الذين اهتموا بالعمارة الإسلامية، ويعد أحد أروع مساجد ذلك العصر وأحد شواهد التطور المعماري وقتها.

تصدر المسجد وجه العشرة جنيهات الصادرة يوم 2 سبتمبر/أيلول 1913، في تصميم كلاسيكي رائع يظهر بساطة الحارة المصرية القديمة، ويبدو فيه جمال المسجد بمئذنته التي تعد من أجمل مآذن القاهرة بعمارتها وزخارفها ورشاقتها، وقبته المزخرفة بزخارف نباتية وهندسية دقيقة جعلت منها تحفة معمارية وواحدة من أجمل قباب العصر المملوكي.

ظهر المسجد مجددا على الأوراق النقدية من فئة المئة جنيه في الأربعينيات والخمسينيات في عهد الملك فاروق، ومنذ نهاية الستينيات انتقل إلى تصميم الجنيه المصري، وما زال مستمرا إلى اليوم.

 

تصميمات العملات الورقية المصرية سجلت عظمة مساجد القاهرة التاريخية وروعة بنيانها (الجزيرة)

مسجد محمد علي بالقلعة

ننتقل في جولتنا إلى قلعة صلاح الدين الأيوبي بالقاهرة حيث مسجد محمد علي باشا الشهير باسم "مسجد المرمر" المبني على الطراز العثماني، وهو ثاني المساجد ظهورا على العملات الورقية المصرية وأكثرها انتشارا على الفئات المختلفة.

يعتبر المسجد الذي بدأ بناؤه عام 1830، تحفة معمارية بجدرانه المكسوة بالمرمر (رخام الألبستر النادر)، والمحلاة من الداخل بالزخارف والنقوش الملونة والمذهبة والكتابات العديدة على أعتاب الشبابيك وزوايا القباب.

يحتل المسجد موقعا متميزا، إذ يشرف على القاهرة من أعلى ويمكن رؤيته من مسافات بعيدة، ويعانق السماء بمنارتيه الرشيقتين بارتفاع 84 مترا من مستوى أرضية الصحن، وبينهما القبة الكبيرة التي يبلغ قطرها 21 مترا وارتفاعها 52 مترا.

تزين الإصدار الثاني من المئة جنيه المصرية الصادرة عام 1913 بصورة للقلعة يتوسطها مسجد محمد علي، ثم ظهر على الإصدار التالي عام 1921، والذي حمل أيضا صورة مئذنتي جامع السلطان المؤيد شيخ فوق بوابة "زويلة"، ليصطلح العامة على تسمية هذه الفئة باسم "أم مدنة (مئذنة)".

ثم انتقل المسجد إلى وجه الخمسة جنيهات وخلفية الخمسين جنيها في الأربعينيات وبداية الخمسينيات، قبل أن يختفي لأكثر من عقدين ليعود مجددا عام 1977 بتصميم رائع يحتل وجه الفئة الجديدة وقتها (العشرين جنيها)، ليستمر إلى اليوم كعلامة مميزة لهذه الفئة النقدية.

جامع السلطان حسن

وعلى مقربة من أسوار القلعة، نجد جامع السلطان حسن أحد أهم وأروع الآثار الإسلامية في مصر والعالم ويعرف باسم "درة العمارة الإسلامية"، لما جمعه من فخامة وعظمة البناء وجلال العمارة ودقة الصناعة وتنوع الزخارف.

بدأ السلطان الملك الناصر حسن بن محمد بن قلاوون عمارة بنائه الضخم الذي تبلغ مساحته 7906م2 عام 757هـ ليكون جامعا ومدرسة لتدريس المذاهب الفقهية الأربعة، وخصص له 20 ألف درهم يوميا للصرف عليه، وفق المؤرخ الشهير المقريزي، وانتهى بناؤه عام 764هـ.

تميز المسجد الذي وصفه مؤرخون بأنه "عجيبة من عجائب الدنيا" بزخارفه الدقيقة من كتابات ونقوش، وقبته العظيمة ومنبره الرخامي الفريد، ومحرابه المصنوع من الرخام الملون المعشق، ومدخله الرئيسي الذي يعد من أروع وأعظم المداخل في العمارة الإسلامية وأكثرها ارتفاعا.

ظهر المسجد للمرة الأولى على العملات المصرية عام 1970 على واجهة العشرة جنيهات الحمراء واستمر حتى العام 1979، ليعود مجددا بتصميم جديد على ورقة المئة جنيه الصادرة عام 1994 وحتى الآن.

صورة مدرسة السلطان حسن زينت ورقة العشرة جنيهات في السبعينيات وانتقلت إلى ورقة المئة جنيه عام 1994 (الجزيرة)

مسجد الرفاعي

أمتار قليلة وأكثر من خمسة قرون من الزمن تفصل مسجد السلطان حسن عن جاره المعروف باسم مسجد الرفاعي، الذي يعد بدوره واحدا من أهم المساجد الكبرى في القاهرة وأعظمها عمارة.

شُيد مسجد الرفاعي على الطراز المملوكي، بناء على اقتراح من "خوشيار هانم" والدة الخديوي إسماعيل عام 1869، لكن بناءه لم يكتمل إلا في العام 1912.

وحمل المسجد اسم "الرفاعي" نسبة إلى أحد مشايخ الصوفية الذي كان مدفونا في زاوية صغيرة مكان المسجد واسمه علي الرفاعي الشهير بأبي شباك.

يعتبر المسجد -وفق المتخصصين- متحفا مفتوحا يعكس تاريخ العمارة الإسلامية في مصر بما يحويه من عناصر معمارية وفنية وزخارف، وتبلغ مساحته من الداخل 6500م2، وأصبح مقبرة لملوك وأمراء أسرة محمد علي.

يتميز هذا المسجد بأنه الوحيد الذي ظهر تصميمه الداخلي على العملات المصرية في ظهوره الأول عام 1978 على فئة العشرة جنيهات، قبل أن يتم تغيير التصميم عام 2003 وتظهر صورة المسجد من الخارج وتستمر حتى اليوم.

مسجد قاني باي الرماح

وعلى بعد أمتار أخرى، نجد مسجد قاني باي الرماح الذي تزين صورته أكبر فئات العملة المصرية وهي ورقة 200 جنيه.

يعد هذا المسجد الذي بُني عام 908هـ من أبرز المساجد المعلقة في مصر، وبناه الأمير المملوكي قاني باي قرا، وشهرته الرماح، وهو من كبار أمراء السلطان المملوكي الأشرف قنصوه الغوري في أواخر عصر المماليك الجراكسة، وألحق به سبيلا وكتّابا.

يتميز المسجد بمئذنته المزدوجة الرأس وزخارفه النباتية الدقيقة المنحوتة في الحجر على السطح الخارجي للقبة البارزة عن واجهة الجامع الشرقية.

أحمد بن طولون

يعد جامع أحمد بن طولون الذي انتهى بناؤه عام 265هـ، أقدم المساجد المصرية من حيث احتفاظه بتخطيطه وكثير من تفاصيله المعمارية الأصلية، وهو من أكبر مساجد العالم الإسلامي بمساحة نحو 6.5 أفدنة.

يعتبر المسجد من الجوامع المعلقة لبنائه فوق قمة صخرية تسمى "يشكر" في جبل المقطم. وللمسجد 21 بابا، ويحيط بجدرانه الأربعة من أعلى 130 شباكا من الجص المفرغ بأشكال هندسية ونباتية.

ويتميز المسجد بمئذنته ذات الطراز المعماري الفريد الذي يشبه مئذنة جامع سامراء "الملوية" في العراق، كما أن منبره من أجمل منابر القاهرة وأقدمها.

كان الظهور الأول للمسجد على العملات المصرية على ورقة الخمسة جنيهات عام 1969، وكان التصميم يظهر المئذنة الشهيرة وقبة وسط الصحن، قبل أن يتم تعديل التصميم لاحقا عام 1981 ليستمر على ورقة الخمسة جنيهات إلى اليوم.

جامع وجامعة

من ابن طولون إلى الأزهر الشريف، أشهر مساجد العالم الإسلامي، وأول مسجد بني في القاهرة بعد تأسيسها على يد جوهر الصقلي، حيث بدأ بناءه عام 359هـ وانتهى منه بعد عامين، وهو يقع حاليا في منطقة "الدرب الأحمر".

وقد سُمي المسجد بالأزهر تيمنا بفاطمة الزهراء بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويعتبر جامعا وجامعة منذ أكثر من ألف عام، وهو ثاني أقدم صرح جامعي قائم بشكل مستمر في العالم.

وقد تزينت فئة النصف جنيه (50 قرشا) بصورة الجامع الأزهر منذ العام 1968، واستمر بتصميمات مختلفة إلى اليوم على هذه الفئة.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من منوعات
الأكثر قراءة