"حديقة المغرب".. صفرو عاصمة الماء والخضرة والكرز

شلال وادي أكاي واحد من مزارات صفرو السياحية (الجزيرة)
شلال وادي أكاي واحد من مزارات صفرو السياحية (الجزيرة)

مريم التايدي-المغرب

وافرة ظلالها، عذب ماؤها، عليل هواؤها، تلقب بالجنة الصغيرة وحديقة المغرب، مدينة صفرو، المتربعة على سفح الأطلس المتوسط على ارتفاع 850 متر عن سطح البحر، وعلى بعد 28 كيلومترا جنوب شرق مدينة فاس (وسط المغرب).

مازال أبناؤها يتفاخرون إلى اليوم بمقولة شهيرة للسلطان المولى إدريس الثاني "سأرحل من مدينة صفرو إلى قرية فاس" ويعتبرونها شهادة على قدم تمدنهم وعلى عراقة مدينتهم.

مدينة صغيرة الحجم ذائعة الصيت، بتاريخ حافل وخصب ظاهر ومهرجان للكرز يفوق المئة عام، صار موروثا إنسانيا مصنفا دوليا.

ويرجع تاريخ تأسيس مدينة صفرو إلى القرن السابع للميلاد، وكانت مدينة عالية الأسوار والأبواب وقلعة حصينة.

يقول المؤرخ حسن الشافعي العلوي، وهو أحد أبناء صفرو (صاحب دكتوراة حول تاريخ صفرو نوقشت بالسوربون في يناير/كانون الثاني 1983) وُجِدت مدينة صفرو قبل فاس (تأسست فاس في القرن الثامن الميلادي)، واستقر بها المولى إدريس ثلاث سنوات قبل أن ينتقل إلى مدينة فاس.

ويرجع تاريخ تأسيس مدينة فاس إلى نهاية القرن الثامن الميلادي إبان مجيء المولى إدريس الأول إلى المغرب سنة 789م، حيث بنيت النواة الأولى للمدينة على الضفة اليمنى لوادي فاس بحي الأندلسيين.

ويوضح الشافعي في حديثه مع الجزيرة نت، أن صفرو بحكم موقعها الجغرافي كانت في العصر الوسيط محطة تمر منها القوافل التجارية القادمة من شمال المغرب والمتجهة نحو تافيلالت بوابة الصحراء.

يقول الشافعي إن صفرو شكلت "منزلة" تحط فيها الرحال وكانت يوجد بها قديما على فنادق ومقومات الحياة المدنية مما جعلها طريقا تجاريا حيويا.

‪صفرو تقع على سفح الأطلس المتوسط‬ (الجزيرة)

حديقة المغرب
الزائر لصفرو ترى عيناه الحقول الممتدة المحيطة بالمدينة وغنى غطائها النباتي، وتتراقص روحه على إيقاع خرير مياه وادي أكاي الذي يخترق المدينة ويقسمها لضفتين، ويطرب لشدو العصافير على الدوالي. كانت قديما تعتمد على الزراعة والصناعة التقليدية.

ويقول عبد الحق غاندي رئيس جمعية أهلية بإقليم صفرو، إن الأنشطة الأساسية بإقليم صفرو فلاحية متنوعة تشمل الأشجار المثمرة والزيتون.

ويضيف غاندي، للجزيرة نت، أن الإقليم به خزان للمياه السطحية والجوفية والأراضي الخصبة، ومؤهلات طبيعية بتنوع بيولوجي نادر وجب الحفاظ عليها وتأهيلها.

وجاء في مذكرات الباحث الاجتماعي الفرنسي شارل دو فوكو "التعرف على المغرب" وصف فريد للمدينة، يقول شارل دو فوكو "…لا تكتشف المدينة إلا عند الوصول إلى أبوابها نظرا لكونها مخبأة وسط الأشجار.. إنها حدائق شاسعة وعجيبة ما رأيت مثلها إلا في المغرب. أشجار كبيرة متلبدة تنشر أوراقها الكثيفة فوق الأرض ظلا سميكا وطراوة عذبة.. في هذه الحدائق تحمل جميع الأغصان الفواكه والسطح دائم الاخضرار وتسيل فيها وتهمس بها ينابيع عديدة" إلى أن يقول "بصفرو كل شيء مزدهر ويشير إلى التقدم".

عاصمة الكرز
تعتبر صفرو عاصمة لفاكهة الكرز (حب الملوك)، وتنظم مهرجانا سنويا هو من أقدم المهرجانات المغربية، بدأت أولى دوراته سنة 1919 بمناسبة جني فاكهة الكرز مطلع فصل الصيف. ويتميز احتفال مهرجان الكرز باختيار ملكة جمال حب الملوك ووصيفاتها.

يقول عبد الحق غاندي إن مهرجان حب الملوك عرف طفرة من حيث الجودة والبرامج والإشعاع وعدد الزوار خصوصا في الفترة ما بين 2010 و2015، مما انعكس على الحركة السياحية المحلية ورفع رقم المعاملات الاقتصادية بالمدينة.  

وقد حظي "مهرجان حب الملوك" بتصنيفه من منظمة اليونسكو تراثا عالميا للإنسانية ضمن لائحة التراث الثقافي العالمي في 2012.

ويجري اختيار ملكة جمال الكرز في احتفال ترافقه الأهازيج العربية والأمازيغية واستعراض شعبي يطوف شوارع المدينة مصحوبا بنغمات فرق موسيقية شعبية.

‪وافرة الظلال وتحيط بها أشجار الزيتون والزيزفون والصنوبر‬ (الجزيرة)

تنوع ثقافي
تعرف المدينة بغنى وتنوع موروثها الثقافي. يقول المؤرخ الشافعي إن صفرو كانت مدينة محصنة، يعيش سكانها داخل الأسوار، وكان لها تنظيم داخلي، موضحا أن نسبة مهمة من سكانها كانوا يهودا، جزء كبير منهم جاء من جنوب المغرب واستقروا في المدينة منذ نشأتها.

وشكلت صفرو لمدة طويلة ملجأ لجل اليهود المغاربة الذين سكنوا المدينة لأكثر من 2000 سنة. ويضيف الشافعي أن صفرو محاطة بالقبائل الأمازيغية، مما جعل منها نموذجا للتعايش بين ثلاث مكونات، العربي المسلم واليهود المستقرون داخل المدينة والعنصر الأمازيغي خارجها.

ويعتبر الشافعي أن صفرو امتلكت منذ القدم مقومات المدينة المتكاملة، مما دفع إدارة الحماية الفرنسية تصنفها من البلديات الأولى بمجلس بلدي مثل المدن الكبرى. وأنشئت بلدية صفرو سنة 1917.

وواظبت مدينة صفرو منذ 1987 على تنظيم ملتقى ثقافي سنوي، يعنى بدراسة ومناقشة مواضيع محلية ووطنية.

وأهم قطاعات صفرو الحيوية اليوم الصناعة التقليدية والحرف، وتحفظ صفرو داخل أسوارها معالم ثقافية وتاريخية أهمها باب المقام والحدادين.

وتحفظ صفرو نمط عيش أصيلا تعبر عنه أنامل نسائها المبدعة في فن تظفير الحرير وصناعة عُقد القفاطين والتطريز والطهي، وحرفيوها في تحف النجارة والخراطة والصياغة وفنون الجبس والسباكة.  

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

"إن على أبنائها اليوم أن يقوموا بكتابة تاريخها بشتى الميادين، إن عليهم وحدهم تقع تبعة التعريف بهذه الماسة التي نسميها تازة…". هذا ما كتبه مؤرخ المملكة المغربية عبد الهادي التازي.

المزيد من منوعات
الأكثر قراءة