مسجد مولاي المهدي في سبتة.. شيّده فرانكو وبعض أحجاره من الأندلس

الواجهة الخارجية لمسجد "مولاي المهدي" في سبتة (الجزيرة)
الواجهة الخارجية لمسجد "مولاي المهدي" في سبتة (الجزيرة)

سناء القويطي-سبتة

"حينما تزهر ورود السلام سنقدم لكم أجمل الزهور".. بهذه الكلمات باللغة الإسبانية يستقبل مسجد مولاي المهدي في سبتة زواره، وتلك كانت كلمات الجنرال فرانكو التي وجهها للمسلمين الذين شاركوا معه في الحرب الأهلية الإسبانية.

وأصبح المسجد بعد عقد شراكة مع مندوبية التعليم والثقافة في المدينة جزءا من برنامج "دليل سبتة يعلمك" الذي يضم أبرز المعالم السياحية بالمدينة الواقعة في أقصى شمال المغرب والخاضعة للسيادة الإسبانية.

ويحمل هذا المسجد -وهو ثاني مسجد بُني في سبتة- اسم الخليفة مولاي المهدي العلوي أول خليفة يعيّن على المنطقة الشمالية للمغرب بظهير صادر عن السلطان مولاي يوسف عام 1913، وظل في منصبه إلى أن توفي في سبتة عام 1923.

وتحولت أنظار العالم نحو مسجد "مولاي المهدي" في يونيو/حزيران الماضي عندما أطلق مجهولون النار على واجهته، مما خلق حالة من الذعر والهلع لدى المصلين الذين كانوا داخله وقت صلاة الفجر.

وأثيرت مخاوف من استهداف إرهابي، خاصة أن العالم لم يكن قد تعافى بعدُ من حادث إطلاق النار على مسجد نيوزيلندا، غير أن التحقيقات توصلت إلى أن الحادث ليس إرهابيا.

مصلى الرجال داخل المسجد(الجزيرة)

اعتراف وشكر
يقع مسجد "مولاي المهدي" -المعروف أيضا لدى السبتيين باسم "الجامع الكبير"- على حافة شارع أفريقيا، ووضع تصميمه المهندس الإسباني خوسيه ماريا طيخرو، وبدأ بناؤه عام 1939، ودُشن في يوليو/تموز 1940 في حفل كبير حضره خليفة السلطان مولاي الحسن بن المهدي والمقيم العام الإسباني كارلوس أسينسيو.

يقول الباحث السبتي سعيد السراج للجزيرة نت إن الحكومة الإسبانية مولت المشروع اعترافا منها بالجميل وبالتضحيات التي قدمها الجنود المغاربة إبان الحرب الأهلية الإسبانية، بدليل اللوحة الرخامية عند مدخل المسجد التي تتضمن عبارات الشكر والامتنان من القائد فرانكو نفسه.

ورغم صدور قانون الذاكرة التاريخية عام 2007 الذي سعى إلى محو آثار الدكتاتورية الفرانكوية بإزالة تماثيل الجنرال فرانكو وإعادة تسمية العديد من الشوارع التي تحمل اسمه، فإن أثر هذا القانون لم يشمل المسجد الذي ما زال يستقبل زواره بكلمات الجنرال.

ويفسر السراج الأمر بإدراك الإسبان الحساسيات التي يمكن أن تثيرها مثل هذه الخطوة، وبكون بلدية سبتة يسيّرها الحزب الشعبي اليميني الذي عارض القانون واعتبره مجرد دعاية انتخابية.

 مدخل مسجد "مولاي المهدي" (الجزيرة)

ترميم وتعديل
شهد المسجد الذي يطوي هذه السنة عامه الثمانين عمليات ترميم في فترات متفرقة، أبرزها عام 1990 حيث أجريت عليه تعديلات طفيفة تخص التزيين والتجميل، وأزيلت النافورة التي كانت تتوسط صحنه. كما أجريت عليه تعديلات أخرى عام 2017 بدعم من عمدة المدينة الحالي خوان بيباس، ليكون مؤهلا لاستقبال الأعداد الكبيرة للسياح الذين يزورونه سنويا.

وينقل سعيد السراج عن بعض السبتيين من كبار السن حديثهم عن تغيير بعض معالم المسجد وهويته، مثل "المسيد" (الكُتّاب القرآني) الذي كان يشرف عليه الفقيه المرحوم عبد السلام اهويدار.

وكان التعليم في المسجد يتم وفق الطريقة التقليدية المغربية، إذ يجلس الأطفال على الحصير ويحفظون القرآن باللوح. وقد تخرج على يد هذا الفقيه الشهير في المدينة مئات الأطفال الذين حفظوا القرآن الكريم على يده وتعلموا اللغة العربية.

وتحول هذا الكتّاب التقليدي إلى مدرسة قرآنية عصرية تحمل اسم "الفقيه اهويدار" اعترافا بما أسداه لمسلمي سبتة من خدمات، وما بذله من جهود في تعليم عدة أجيال دينهم ولغتهم.

ويعد المسجد واحدا من أهم المراكز الدينية في المدينة التي يشكل المسلمون فيها 43% من سكانها، حسب الأرقام التي أعلنها قبل سنتين اتحاد الجمعيات الإسلامية في إسبانيا، وتقام فيه الصلوات الخمس وصلاة الجمعة وتراويح رمضان منذ تأسيسه. كما تُلقى به دروس الوعظ والإرشاد التي يلقيها غالبا مشايخ ووعاظ تعينهم مندوبية الأوقاف بعمالة "المضيق الفنيدق" المحاذية والواقعة في التراب المغربي.

 صحن المسجد (الجزيرة)

أحجار من الأندلس
في كتابه "خلاصة تاريخ سبتة بالأثر والمأثور وما جاورها من المداشر والقرى حتى كدية الطيفور"، يعرّف قاضي الأحوال الشخصية في سبتة ومليلية المرحوم الحاج محمد السراج بأهم الأماكن الدينية في هذه المدينة المطلة على البحر الأبيض المتوسط.

ويشير السراج في كتابه إلى أن بعض الأحجار التي بني بها المسجد نُقلت من مناطق أندلسية مثل مدينة "إيبيدو" و"ترويل" ومن قصر طليطلة بترخيص من السلطات الإسبانية، بهدف إثارة الحماس لدى المغاربة وتشجيعهم على دعم الجنرال في حربه ضد الجمهوريين.

ويتناسق اللونان الأبيض والأخضر ليضفيا على المسجد مسحة مميزة، وأبدع الصنّاع في تركيب فسيفسائه ورخاماته وقبابه، مما جعله واحدا من المعالم التي يشد زوار المدينة الرحال إليها.

ويصف القاضي المؤرخ المسجد في كتابه ويقول إنه أقيم في شكل هندسي بديع يتكون من ثلاث بلاطات مسقفة على أقواس، وأن السقف على شكل قباب صغيرة منبسطة شيئا ما، ومركّب على أسوار وأقواس جميلة، في حين أن جدران المسجد وسواريه مبلطة بالرخام الأبيض في علوّ يفوق مترا واحدا، وله محراب أنيق مكتوب فوقه قوله تعالى "حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين".

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من منوعات
الأكثر قراءة