بلدة إرطاس الفلسطينية.. من جنة مقفلة إلى بستان محاصر

فادي العصا-بيت لحم

ما إن ترجلنا من المركبة بالقرب من عين ماء إرطاس جنوب بيت لحم جنوب الضفة الغربية حتى بدأنا نسمع خرير المياه في المحيط يسير في قنوات قديمة جدا ليصل إلى جنة إرطاس دائمة الخضرة، وتعني البلدة التي تعرف اليوم بـ"إرطاس" باللاتينية "الجنة" أو "البستان"، وهي ثاني أقدم بلدة للسكان في العالم بعد مدينة أريحا على الحدود الأردنية الفلسطينية.

وتقع البلدة بين أربع سلاسل جبلية يجعلها تبدو منطقة مقفلة، وتعرف ببستانها الخصب الذي يروى بمياه الينابيع والعيون المتدفقة إليه صيفا وشتاء، خاصة مياه نبعة عين إرطاس التي يقدر عمق تربتها الحمراء من خمسة إلى ستة أمتار.

ويقول رئيس مجلسها القروي أحمد خليل إسماعيل للجزيرة نت إن مساحة المنطقة المزروعة اليوم 120 دونما (120 ألف متر مربع) وتروى بمياه نظيفة وخالية من جميع الشوائب.

رئيس المجلس القروي لإرطاس أحمد خليل إسماعيل (الجزيرة)

سيطرة إسرائيلية
تبلغ مساحة البلدة اليوم 5314 دونما (الدونم يساوي 1000 ألف متر مربع)، وقسمت بعد اتفاق أوسلو بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل إلى مناطق "أ" (بنسبة 30% من أراضيها)، وهي المناطق السكنية التي يعيش فيها اليوم قرابة ستة آلاف نسمة، ومناطق "ب" (بنسبة 10%) التي تمثل البستان، ومناطق "ج" التي تبلغ مساحتها 60% من مجمل أراضي البلدة وتقع تحت السيطرة الإسرائيلية الكاملة ويمنع على المواطنين الفلسطينيين استخدامها.

وتطل المستوطنة من الجبل الجنوبي على البلدة وبنى الاحتلال في سلسلتها الجنوبية الشرقية جدارا يفصل المناطق التي يسيطر عما تبقى من أراضي البلدة بطول يقارب أربعة كيلومترات، في حين يمنع الاحتلال الفلسطينيين من التوسع في سكنهم وحتى في توسيع أراضيهم الزراعية.

ويقتحم المستوطنون إلى جانب ذلك بصفة دائمة منطقة "برك سليمان" التاريخية التي تمثل ثلاث برك لتجميع المياه وتتسع لقرابة 400 ألف متر مكعب من الماء، وشيدت منذ مئات السنين وتعتبر متنفسا للفلسطينيين الزائرين لها من كل مكان.

أراضي دير الجنة المقفلة المزروعة وخلفها البناء السكاني لبلدة إرطاس (الجزيرة)

ينابيع مياه
توجد في إرطاس خمس عيون ماء هي: عين صالح وعين الدرج وعين القلعة وعين عطان وعين الفروجة التي تصل قنواتها إلى أراضيها الزراعية، وشيدت أولى قنوات مياهها على امتداد فترة "بيلاطوس الروماني" عام 35 للميلاد وزمن "سفرونيوس البيزنطي" عام 211 للميلاد، وكانت توصل المياه إلى مدينتي بيت لحم والقدس -خاصة الحرم القدسي الشريف- طوال ألفي عام، قبل أن يوقفها الاحتلال الإسرائيلي عام 1967.

وتعتبر إرطاس منذ القدم وحتى اليوم السلة الغذائية لمحافظة بيت لحم وتزودها بالخضروات الصيفية والشتوية إلى جانب الفواكه والحمضيات، ولا عجب عندما تسمع مناديا للخضار في سوق بيت لحم قائلا "إنها زراعة إرطاسية" التي تعني الجودة العالية المروية بمياه الينابيع النظيفة.

دير الجنة المقفلة
دير "الجنة المقفلة" هو بناء كنسي تم الانتهاء من تشييده عام 1904 بعد أن اشترى الأرغواني ماريانو سولير الأرض المقام عليها الدير والبالغة مساحتها 364 ألف متر مربع.

دير إرطاس (الجزيرة)

وبنى الدير أكثر من 120 رجلا بطريقة بدائية طوال خمس سنوات، وسلمه صاحبه عام 1908 إلى الراهبات اللاتي استخدمنه للعيش والذهاب للدراسة في مدارس بيت لحم.

وأسست الراهبات عام 1974 روضة أطفال تخدم الفلسطينيين في المنطقة، وتقلص عددهن بعد أن كان يعيش فيه أكثر من 170 فتاة إلى خمس أو ست فتيات يقمن بخدمته اليوم.

ويمنع الاحتلال الإسرائيلي القائمات على الدير من استخدام كامل أراضيه بعد سيطرته على أجزاء واسعة منها لكن الباقي مزروع بشتى أنواع الخضروات والأشجار للحفاظ على أصل الأرض بأنها "جنة مقفلة" دائمة الخضرة والمياه.

المصدر : الجزيرة