عراق بورين.. قرية فلسطينية معلقة على الصخر

قرية عراق بورين تتربع فوق الجرف الصخري (الجزيرة)
قرية عراق بورين تتربع فوق الجرف الصخري (الجزيرة)

في كل زاوية فيها يبدو عكس الواقع هو المخيف والممتع، فأيما مكان نظرت إليها منه لا سيما من الأسفل يُخال إليك أنك حتما ستلاقي حتفك، ومن الأعلى فأنت أكثر أمانا ما دمت محافظا على اتزانك وصلابة قدميك؛ لأنك باختصار تقف فوق "عِراق بورين".

يأسر المشهد الجمالي نظر كل من يمر بالقرب من قرية عراق بورين (5 كيلومترات جنوب نابلس) شمال الضفة الغربية، ويشعر بخوف يبدده فقط الاقتراب أكثر من الجرف أو "العِراق" كما يسمى باللهجة العامة، فهي معلقة على مرتفع صخري يُقدر بنحو 150 مترا يزيدها جمالا ورونقا.

تجلّت الطبيعة بتفاصيلها الجغرافية بين صخور الجرف، فتشكلت الكهوف والتصدعات ولف "زنار" (طوق) من نبات الصبار سطحه، وسبحت بين شقوقه الزواحف المختلفة والحيوانات الأليفة والبرية كأرنب الوبر الصخري، وأضحى تركيب القرية الصخري محط اهتمام الباحثين، فهي تنفرد بهذه الميزة دون غيرها.

من الأسفل كنا نطالع منزل العم عبد الرحيم قادوس (أبو هيثم) الواقع عند حافة الجرف، وأقرب بيوت القرية إليه، ولا نعرف إذا ما كان يُغبط على الإطلالة الساحرة أم يكتنفه الخوف في كل مرة ينظر فيها صوب الغرب، حيث الانحدار الشديد، ففاجأنا برده "تعالوا بنا إلى سطح المنزل"، وكأن المشهد ينقصه رعب.

الجرف الصخري تكون في حقبة جيولوجية عمرها ملايين السنين (الجزيرة)

إطلالة وجمال

طاوعنا الحاج السبعيني أبو هيثم وسرنا برفقته إلى سلم داخلي يوصل إلى سطح المنزل، ومن هناك أبصرنا هذا الكم من الجمال في بيته، الذي ورثه عن أجداده وولد وعاش فيه وأشقاؤه وأحفادهم.

ويقول للجزيرة نت في تعبير مجازي "هيو (هذا) البحر (الأبيض المتوسط) أمامي وعلى طول يدي"، ويضيف أنه يشاهد أحيانا وخاصة وقت صفاء الجو "السفن الضخمة وهي تحط رحالها"، فالقرية بموقعها الإستراتيجي ترتفع أكثر من 700 متر عن سطح البحر، وتحتل موقعا إستراتيجيا.

تبدو التشققات في منزل أبو هيثم واضحة للعيان، بعضها سطحي والآخر ربما يزداد خطره مع مرور الزمن بفعل عوامل الطبيعة؛ لكن هذا لا يقلقه، فحالة الهجران للبيوت القديمة في محيطه تؤرقه أكثر، فمن نحو 40 منزلا كانت بيوم تضم كل السكان لم يعد عامرا إلا ثلثها، فالمواطنون نتيجة لزيادة أعدادهم انتقلوا للبناء في الطرفين الغربي والشرقي.

يفخر أبو هيثم أنه ما يزال يحافظ على منزل الأجداد، ويفرح كلما عاد أحد جيرانه ليعمر منزله مثلما فعل الشاب مصعب قادوس، عندما حدث البناء القديم وطوره، ويسكنه وزوجته وأطفاله منذ 2008.

يقول الشاب الثلاثيني قادوس للجزيرة نت إنه وحفظا لإرث أجداده تكلف نحو 15 ألف دولار لترميم منزله، بالرغم من إمكانية استثمار المبلغ في بناء بيت جديد، ويضيف "حافظت على معالم البيت القديم من الداخل والخارج زيادة في حمايته، فقد سكنه خلال قرن فقط نحو 50 فردا من العائلة".

وحسب الرواية المتداولة، فإن سكان "عراق بورين" ينحدرون من قرية بورين المجاورة، وأنهم لجؤوا إلى الجرف، واستوطنوا فيه إثر شجار عائلي نشب في القرية قبل أكثر من 350 عاما، ثم حصنوه بسور ضخم "تلاشى مع الزمن"، وأحدثوا فيه "طلاقات" (فتحات) لصد أي هجوم.

الصبار يغطي الجرف الصخري الكبير (الجزيرة)

تجليات الطبيعة

أما جغرافيا فقد تكون الجرف الصخري في حقبة جيولوجية عمرها ملايين السنين نتيجة عمليات "تكتونية"، وهي تحركات بطيئة في باطن الأرض أدت إلى انزلاق الجبل، وشكلت سطحه الخارجي أو ما يعرف بالـ"جيمورفولجية".

يقول جبران قادوس، الباحث الجغرافي وابن قرية عراق بورين، إن المنطقة تتميز بأنها "طينية"، وأن هذا ما ساعد في الانزلاق الجبلي، وأدى لتشكل "عراق الوبري" يمينا، و"عراق شناعة" على كتف القرية الأيسر، وظل "عراق بورين" شامخا فوق قمة الجرف.

لا يستطيع الباحث قادوس تحديد سبب هذا الانزلاق أو تقدير عمره بالضبط كفعل زلزال، ويقول إنها حركات "بطيئة وضاغطة" أدت لسقوط قوي أصاب مواطن الضعف والأشد انحدارا في الصخور فحدث الزحف.

سألنا الخبير الجغرافي قادوس وهو يأخذنا في جولة حول الجرف عن الأخطار، التي تنتاب سكان القرية خشية أي انهيارات، ففاجأنا برده أن الخطر يتهدد من هم أسفل الجرف، وليس فوقه؛ بسبب سقوط "شقوق تخفيف الحمل"؛ وهي صخور تتفسخ تدريجيا، وقد تدمر المنازل، وتردم الأراضي الزراعية.

والخطر فوق الجرف يبقى موجودا ومنوطا فقط بالسقوط خطأ من الأعلى، وهو ما حدث فعلا لبعض السكان، أما التصدعات قرب المنازل المسكونة، فخطرها، وفق الباحث قادوس، قائم؛ لكنه يحتاج "لزمن طويل وزحف قوي ومفاجئ".

والأكثر خطرا من عوامل الطبيعة هو الاحتلال ومستوطنوه؛ الذين يريدون وضع يدهم عليها، فسيروا الرحلات السياحية، وتسلقوا الجرف، وهددوا بطرد أهلها مرات عدة.

بالنسبة للباحث الجغرافي جبران قادوس فإن الجرف هدف لأبحاث ودراسات عدة (الجزيرة)

بين الجمال والنهوض

ويبدد تلك الأخطار جمال ميّز "عراق بورين" وأفردها دون غيرها كقرية فلسطينية معلقة فوق الصخر، فهي بحد ذاتها مشروع سياحي مكتمل الأركان، ومتنفس أهالي القرية وشبانها، الذين يجلسون لساعات طويلة عند حوافها يتسامرون ويحدقون في جمال الطبيعة الخلاب.

يقول مصطفى الدباغ في كتابه "بلادنا فلسطين" إن عدد السكان في عراق بورين بلغ مطلع عشرينيات القرن الماضي 81 شخصا، ثم ارتفع إلى 212 مواطنا في الستينيات، وهم الآن أكثر من 1200 نسمة، وتقدر مساحتها بحوالي 6 آلاف دونم (الدونم يعدل ألف متر مربع)، وفي البلدة القديمة نحو 40 منزلا يعمر السكان الآن أقل من ثلثهم.

جزء من هؤلاء المواطنين زحفوا منذ سنوات للبناء في شقي القرية الغربي والشرقي، فصارت كأنها 3 قرى بقرية واحدة.

ويقول ماهر قعدان رئيس المجلس القروي إنهم كي يقطعوا الطريق على المستوطنين، الذين صادروا أكثر من 100 دونم من أراضيهم منحوا الشبان المقبلين على الزواج قطعا من الأراضي العامة لإعمارها بالبناء، ويخططون لعمل مشاريع سياحية كالفنادق والمطاعم و"التلفريك" إضافة لترميم البيوت القديمة.

ويضيف للجزيرة نت "قمنا بشق طرق في محيط القرية وداخلها، وأوصلنا لها كافة خدمات البنية التحتية، وسهلنا الوصول للقرية المعلقة عبر سلم"، وأكد أنهم يسعون للحصول على دعم لترميم البيوت القديمة المتهالكة.

ونحن في طريق العودة هبطنا من أعلى الجرف إلى أسفله عبر درج شيد من وقت قريب ليسهل تنقل المواطنين، ولوهلة عشنا متعة المشاهدة عن قرب، والخوف الذي يلف المكان برمته.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

أظهر مقطع مصور مجموعة مكونة من 4 شبان، يسيرون في أزقة مدخل ساحة البراق في القدس القديمة، ويؤدون أناشيد مختلفة مدحا للنبي محمد صلى الله عليه وسلم.

المزيد من منوعات
الأكثر قراءة