اعتزال الحياة الملكية.. صرامة الملكة إليزابيث من ديانا إلى ميغان

الأمير هاري وزوجته ميغان قررا الانسحاب من أداء المهام الملكية (غيتي)
الأمير هاري وزوجته ميغان قررا الانسحاب من أداء المهام الملكية (غيتي)

الجزيرة نت-لندن

"عائلتي أمامها قضايا معقدة عليها أن تجد لها حلا"، هكذا تحدثت الملكة إليزابيث الثانية في أول تعليق رسمي لها على أزمة تعصف بالعائلة الملكية الأكثر شهرة في العالم، وذلك بعد قرار حفيدها الأمير هاري وزوجته ميغان الانسحاب من أداء المهام العمومية المنوطة بهم كأفراد في الأسرة المالكة.

حكاية انسحاب الأمير هاري وقرار ابتعاده عن المحيط الملكي للعيش بين كندا وأميركا باتت حديث العالم، بالنظر للشعبية التي تتمتع بها الأسرة الحاكمة في المملكة المتحدة، والأضواء الكثيرة التي سلطت على الأمير وقصة زواجه من الممثلة الأميركية ميغان ماركل، مخالفا الكثير من أعراف الأسرة الملكية التي تمنع الأمراء من الزواج بنساء مطلقات، بل إن عمّ الملكة إليزابيث الثانية اضطر في ثلاثينيات القرن الماضي للتنازل عن العرش بعد ارتباطه بسيدة مطلقة.

"لا أريد تكرار القصص التي تسببت في وفاة والدتي"، لعل هذه العبارة التي صرّح بها الأمير هاري ابن الأميرة الراحلة ديانا، في فيلم وثائقي عن حياته، لخصت الكثير من خلفيات قراره، بعد أن ضاق ذرعا من الملاحقة الإعلامية له ولزوجته، ومنها ما كان يحمل طابعا عنصريا خصوصا من صحف اليمين البريطانية.

وسبق لدوق "ساسيكس" أن أصدر أكثر من بيان يطالب فيه الصحفيين باحترام خصوصيته، منتقدا الهجمة العنصرية التي تواجهها زوجته في مواقع التواصل الاجتماعي.

الأمير هاري وزوجته شرعا في البحث عن مصادر دخل أخرى بعيدا عن حصتهما من دافعي الضرائب (غيتي)

الملكة بين ديانا وميغان
ما أشبه الليلة بالبارحة، فالملكة إليزابيث وصفت سنة وفاة الأميرة ديانا بأنها أسوأ سنة مرت عليها مند توليها الحكم، ففي تلك الفترة وُجهت اتهامات كثيرة للملكة بأنها لم تحسن التصرف مع ديانا التي خطفت الأضواء وصنفت على أنها المرأة الأكثر شعبية في العالم، وفي سنة وفاتها وصلت شعبية الملكة إلى أسوأ مستوياتها.

ويقدم لنا كتاب "المزرعة" لمؤلفته بيني جينور، صورة عن العلاقة المتوترة التي جمعت بين الملكة إليزابيث الثانية والأميرة ديانا: "الملكة تعودت منذ صغرها على الفصل بين حياتها الخاصة وبين الحياة العامة، أما الأميرة ديانا فهذه حياة جديدة عليها وتتعامل ببساطة مع الناس".

ويرى الكتاب أن مشكلة الأميرة ديانا مع المحيط الملكي أنها كانت مختلفة، وفي أسرة عريقة لها قواعدها الصارمة، فالاختلاف يعني خروجا عن الأعراف وعن المألوف.

وتقول الكثير من التفسيرات إن الصد الذي قوبلت به ديانا في القصر، كان من أسباب تعاستها، يضاف له طلاقها من الأمير شارلز سنة 1996 إلى أن لقيت مصرعها بطريقة مأساوية في العاصمة الفرنسية باريس، وهي تحاول الفرار من مصوري "الباباراتزي".

مرت السنين ووجدت الملكة إليزابيث الثانية نفسها أمام أميرة جديدة مختلفة، من أصول أميركية، وهي مطلقة وممثلة سابقة وسمراء البشرة، وراجت الكثير من الأخبار أن الملكة لم تكن تحبذ قرار زواج هاري بميغان، لكن الزيجة تمت وبحضور الملكة.

وظهر أن الصحافة المهتمة بأخبار المشاهير وجدت في الزوجين مادة دسمة للتتبع والترويج للكثير من الإشاعات، أما صحيفة نيويورك تايمز الأميركية فذهبت لكون قرار ميغان الابتعاد عن الأضواء وعن المحيط الملكي هو فشل للأسرة الملكية البريطانية في قبول أميرة مختلفة.

الكثير من الأخبار راجت عن أن الملكة إليزابيث لم تكن تحبذ قرار زواج الأمير هاري بميغان (الأوروبية)

إخوة لكن مختلفون
كثيرة هي المقارنات التي عقدت بين الأمير هاري وأخوه الأكبر ويليام دوق كامبريدج، وزادت المقارنات بعد زواج هاري، فبينما تظهر الأميرة كيت زوجة الأخ الأكبر قدرة كبيرة على الانسجام مع الحياة الأميرية وما تفرضه من بروتوكول صارم، ظهر أن ميغان كانت تريد وضع لمستها مع زوجها على كل الأنشطة التي يقومان بها، لولا أن هذه الرغبة اصطدمت بالكثير من العقبات.

ولم يخف هاري أنه يوجد في طريق مغاير لأخيه الأكبر، في دلالة على أنه لا يريد استنساخ نفس تجربته، بل إن هذه الخلافات وصلت حد إنهاء الأخوين شراكة في مؤسسة خيرية كانا يرعيانها، فضلا عما أثير من غضب الأمير ويليام من حجم النفقات التي أنفقها أخوه الأصغر لإحداث الكثير من التغييرات في قصر "كينزينتون" الذي كان سابقا مقر إقامة والدتهما.

وزادت القطيعة بين الأخوين عندما قرر الأمير هاري اعتماد مكتب جديد لتدبير شؤونه الأميرية، بعيدا عن المكتب الذي كان يدبر شؤونه رفقة أخيه الأكبر، وتغذت الخلافات أيضا بعدم التوافق بين الزوجتين وما راج من المنافسة بينهما على الظهور والشهرة.

ويذهب المختصون في الشأن الملكي البريطاني إلى أن هذه الخلافات متوقعة بالنظر للطباع المختلفة للأخوين، وكيف أن الأمير ويليام يستشعر مسؤولية أنه الثالث في ترتيب الأسرة الحاكمة، بينما الأمير هاري عبّر أكثر من مرة عن زهده في وضعه كسادس وريث للعرش البريطاني.

ولوضع حد للكثير من الشائعات، فقد اختار الإخوان إصدار بيان غاضب ضد ما اعتبراه كذبا بحقهما ومحاولة تشويه لصورتها لدى الرأي العام، وأكدا أن علاقتها ممتازة وهما على تواصل دائم.

الملكة إليزابيث دعت لاجتماع كبار الأسرة المالكة بحضور الأخوين هاري وويليام لفهم الأسباب وراء انسحاب الأمير وزوجته (رويترز)

لمّ شمل الأسرة
لم تكن علاقة الأمير هاري كثيرة الود مع جدته الملكة إليزابيث الثانية، وهما على خلاف في الكثير من الأمور، لكن ما زاد الطين بلة أنه قرر الخروج للإعلام وإعلان انسحابه من الحياة العامة، رغم أن الملكة سبق أن طالبته بالتريث وأخذ وقت للتفكير وعدم إخراج الأمر للعلن.

خطوة الأمير هاري أحبطت الملكة وأحزنتها بحسب ما تسرب من محيطها للصحافة البريطانية، أما زوجها فقد اعتبر الأمر قلة احترام للملكة وعدم تقدير لطلبها ورغبتها في حل الموضوع داخليا دون إقحام الإعلام فيه.

ومع ذلك تصرفت الملكة إليزابيث الثانية كراعية للأسرة ولا تريد أن ينفرط عقدها، فدعت لاجتماع قمة حضره كبار الأسرة المالكة، وبحضور الأخوين هاري ووليام ووالدهما تشارلز، وكان الهدف من هذا الاجتماع هو فهم الأسباب التي جعلت من دوق ودوقة "ساسيكس" يفضلان التراجع خطوة للوراء والابتعاد عن لندن وأضوائها.

الاجتماع الذي يعتبر تقليدا لا تلجأ له الملكة إلا عند الضرورة القصوى، دام ساعات وخرج ببلاغ يقول إنه تقرر منح الزوجين فترة انتقالية للتفكير في قرارهما، وإن الملكة ستنتظر قرارهما النهائي في الأيام القادمة.

وكان لافتا أن البلاغ الصادر من ديوان الملكة إليزابيث أشار لنقطة هي مثار جدل في بريطانيا، وهي التمويل الذي يحصل عليه الزوجان من الصندوق السياسي المخصص لنفقات أفراد الأسرة المالكة، حيث أكد البلاغ أن دوق ودوقة "ساسيكس" أكدا أنهما لن يتلقيا أي حصة من أموال دافعي الضرائب.

وبدأ الأمير هاري وزوجته بالفعل التفكير في إيجاد مصادر دخل أخرى، عبر تسجيل علامة "ساسيكس رويال" باسمهما، وعبرها يمكن أن يروجا للكثير من المنتجات، وتتوقع صحيفة "غارديان" أن تدر عليهما دخلا سنويا يصل إلى خمسمئة ألف جنيه إسترليني، إضافة لرغبة ميغان في العوة للعمل في المجال السمعي البصري.

والأكيد أن قصة الأمير هاري وزوجته ستسيل الكثير من المداد في بريطانيا والعالم، والسؤال: لماذا قد يفضل المرء الابتعاد عن أسرة عريقة هي الأكثر شعبية في العالم؟ ولماذا فشلت المؤسسة الملكية البريطانية في احتواء أميرتين مختلفتين، ديانا وميغان؟

المصدر : الجزيرة