إض يناير.. احتفالية أمازيغية برأس السنة الفلاحية

سناء القويطي-الرباط

ارتدت الشابة المغربية فاطمة اليوسفي زيا أمازيغيا وتزينت بحليها الفضية وقصدت ساحة شارع محمد الخامس بالرباط للمشاركة في احتفالية شعبية بمناسبة رأس السنة الفلاحية الأمازيغية "إض يناير".

والتقت فاطمة بالعشرات من المغاربة من أصول أمازيغية قبالة البرلمان للاحتفال الجماعي بإيض يناير وفق طقوس خاصة، تجاوبا مع دعوة أطلقتها جمعية "شباب تامسنا". وحرصت الفتيات والشابات والنساء والرجال على ارتداء ملابس تقليدية أمازيغية متنوعة وحلي فضية، ورددوا أهازيج شعبية، في حين شاركتهم فرقة أحواش إحياء هذه المناسبة.

وأحواش رقصة جماعية أمازيغية معروفة في مناطق الأطلس الكبير والصغير، يشارك فيها عدد غير محدود من الناس، وهي تعبير عن الفرح الجماعي، لذلك لا تكتمل مناسبة دينية أو وطنية أو محلية في المناطق الأمازيغية إلا برقصة أحواش.

أحد المشاركين في الاحتفال يسكب زيت أملو في إناء يتوسط طبق "بركوكش" (الجزيرة)

احتفال جماعي
ولم يخل هذا الاحتفال الجماعي من تقديم أطباق خاصة تعدّها النساء الأمازيغيات في رأس السنة الفلاحية مثل حساء "أوريكمن" و"تاكلا"، وهو نوع من أنواع العصيدة، و"بركوكش" و"الكسكسي".

تقول فاطمة اليوسفي للجزيرة نت إن العائلات تجتمع في "إض يناير" للاحتفال برأس السنة الأمازيغية الذي يوافق الثالث عشر من يناير/كانون الثاني، وهو احتفال توارثه الآباء عن الأجداد جيلا بعد جيل، وظلوا متمسكين به حتى بعد مغادرتهم قراهم الجبلية.

وتعد والدة فاطمة -المنحدرة من منطقة تافروات الواقعة في قلب سلسلة جبال الأطلس الصغير- في هذه الليلة طبق "أوريكمن"، وهو حساء مكون من سبعة أنواع من الحبوب والقطاني كالقمح والذرة والعدس والفول وغيرها.

تتذكر فاطمة -وهي التي لا تزال مرتبطة بجذورها وتزور سنويا أجدادها في تافراوت- أن نساء قريتها يجتمعن في إض يناير في أحد البيوت، وتتطوع كل واحدة منهن بإحضار ما توفّر لها من محصول الحبوب.

فاطمة اليوسفي تشارك في الاحتفال الجماعي في إيض يناير قبالة البرلمان (الجزيرة)

وتعد النساء بشكل جماعي -وهن يرددن أهازيج أمازيغية- الأطباق الخاصة بهذه المناسبة، وتضعن في القدر الخاص بوجبة "أوريكمن" نوى التمر، وبعد أن ينضج الطعام، تأخذ كل أسرة ما يكفيها منه إلى البيت، ويكون الحظ والمحصول الوفير في السنة الفلاحية الجديدة حليف الأسرة التي تجد في حصتها نوى التمر.

وتوضح فاطمة أن جميع هذه الوجبات مرتبطة بفصل الشتاء، حيث يتناولها سكان الجبال بإضافة زيوت مثل أملو وأركان وزيت الزيتون أو السمن لحمايتهم من البرد القارس ولتدفئة أجسادهم.

تطلع للوفرة
ويعد إض يناير من المناسبات المهمة التي يحتفل بها الأمازيغ داخل المغرب وخارجه ويسمى أيضا"إخف ن أسكَاس" أو "إض أوسكاس" أو "حاكَوزة" حسب المناطق.

ووفقا للتقويم الفلاحي الذي تعتمد عليه السنة الأمازيغية، فإن الرابع عشر من يناير/كانون الثاني هو أول يوم من السنة الفلاحية الجديدة ويبدأ خلاله الانتقال من مناخ بارد إلى مناخ أكثر اعتدالا، وتختص ليلة الثالث عشر بالاحتفال، فيودع الأمازيغ فيها سنة فلاحية مضت، ويتطلعون بأمل وتفاؤل إلى سنة قادمة مزدهرة ومحصول وافر.

الفتيات ارتدين اللباس الأمازيغي وحليا فضية للمشاركة في الاحتفالية (الجزيرة)

ويقول مؤرخون إن تاريخ بداية الاحتفال بإض يناير يرجع إلى سنة 950 قبل الميلاد عندما استطاع الملك الأمازيغي شيشونغ أو شيشنق الوصول إلى الحكم بمصر، غير أن هذه الروايات تواجه بالتشكيك من طرف مؤرخين آخرين.

لكن الأكيد أن هذه المناسبة هي رمز لهوية أمازيغية وتاريخ ضارب في القدم، واحتفالية جماعية شعبية ترتبط في الغالب بالفلاحة، ويحتفل بها الأمازيغ المغاربة بشتى تفريعاتهم (السوسيين والشلوح والريفيين) وأيضا القبائل الأمازيغية التي تعربت إذ تطلق على هذه المناسبة حاكوزة، وتعكس بشكل عام الارتباط الوثيق بالأرض وأهميتها لدى الإنسان الأمازيغي إذ تشكل ثروته الحقيقية ورأسماله في الحياة.

وتتجاوز الاحتفالات المناطق الأمازيغية لتعم العديد من المدن المغربية، إذ تحرص الجمعيات على تنظيم مهرجانات موسيقية وعروض في الفروسية وفعاليات ثقافية وأكاديمية تهدف إلى التعريف بالثقافة الأمازيغية بمكوناتها المتعددة.

إحدى المشاركات في الاحتفالية تسكب زيت الزيتون في إناء يتوسط حساء "تاكلا" (الجزيرة نت)

عيد وطني
ولم يكن الاحتفال بانصرام سنة فلاحية وحلول أخرى يقتصر على يوم معين من شهر يناير/كانون الثاني، بل كان يستمر لأيام حسب وفرة المحصول لدى سكان القرية أو القبيلة، إلا أن الاحتفالات بدأت تتقلص مدتها في العقود الماضية حتى باتت تجري في يوم واحد.

وتعد هذه السنة الثامنة التي تنظم فيها جمعية "شباب تامسنا" هذه الاحتفالية الشعبية الجماعية أمام البرلمان بالعاصمة، وذلك بهدف التعريف بالمكون الأمازيغي للهوية المغربية، ودفع المسؤولين بالبلاد للاعتراف برأس السنة الأمازيغية عيدا وطنيا وعطلة مؤدى عنها.

هذا المطلب وجد له صدى في البرلمان الأسبوع الماضي، حين طالبت فرق برلمانية تمثل الأغلبية والمعارضة بإقرار رأس السنة الأمازيغية عيدا وطنيا، ورد وزير الدولة المغربي المكلف بحقوق الإنسان والعلاقات مع البرلمان مصطفى الرميد على هذه الدعوات بأن الاحتفاء بالسنة الأمازيغية هو "محط اهتمام الدولة بكافة مكوناتها"، مؤكدا أنه سيتم اتخاذ القرارات اللازمة في سياق التطورات الإيجابية التي يعرفها وضع الأمازيغية وتفعيل إضفاء الطابع الرسمي عليها.

المصدر : الجزيرة