من مراكز النفايات إلى المدارس الفقيرة.. رحلة خاصة للكتب بتونس

جانب من الكتب والمجلدات المجمعة من فرز النفايات (الجزيرة)
جانب من الكتب والمجلدات المجمعة من فرز النفايات (الجزيرة)

بدر الدين الوهيبي-تونس

تلاحق أعين الشابة التونسية فاطمة الشريط الآلي الدوار بينما تقلب يداها أكداس النفايات الورقية التي أخذت طريقها نحو آلة التقطيع، إنه عمل يتطلب الكثير من التركيز، إذ تمثل هذه الشابة جدار الصد الأخير للأسلاك المعدنية أو قطع الزجاج التي يمكن أن تكون ضمن النفايات وطوق نجاة لكتاب أو موسوعة علمية كانت في طريقها إلى المحرقة.

واستطاعت فاطمة بمعية زميلاتها رغم بساطة تحصيلهن العلمي تكوين مكتبة ثرية بمئات العناوين التي التقطنها من أكداس النفايات القادمة من مزابل العاصمة التونسية، كتب وموسوعات قيمة أحيانا تخلص منها أصحابها لتتلقفها أيادي عاملات قد يعجزن عن فهم محتواها، غير أنهن لن يخطئن أبدا في تقدير قيمتها.

وتمثل النفايات الورقية ما يعادل 12% من مجموع 3 ملايين طن تقريبا المتأتية سنويا من الفضلات المنزلية، وهو رقم مرتفع فرضه النمط الاستهلاكي للحياة العصرية والنمو الديمغرافي للتونسيين، مما جعل عدد مراكز تجميع وإعادة تدوير النفايات يرتفع في العقد الأخير ليناهز الألف في كامل البلاد.
فرز النفايات داخل مركز لتجميع النفايات وإعادة تدويرها يتطلبان تركيزا عاليا (الجزيرة)

شغف بالقراءة
تقول مديرة مركز "اكو-قاد" لفرز وإعادة تدوير النفايات سارة الكحلاوي إن وجود كتب وموسوعات قيمة ملقاة في أكداس النفايات التي يستقبلها المركز يوميا لفت انتباهها، وإنها ظلت تسارع للاحتفاظ بها في مكتبها نظرا لولعها بالمطالعة ولقيمتها الأدبية والعلمية المهمة.

وتضيف الكحلاوي للجزيرة نت أن الفتيات العاملات في الفرز سرعان ما التقطن هذا الاهتمام الملحوظ بالكتب لينخرطن في البداية وبطريقة غير منتظمة في عرض ما تقع عليه أيديهن من كتب ومراجع علمية قبل أن يتطور الأمر لديهن ويصبح ردة فعل آلية ونظام عمل تحترمه وتسهر جميع العاملات على تطبيقه.

وشكل إنشاء مكتبة خاصة بالكتب المجمعة من النفايات حافزا مهما للفتيات اللواتي انخرطن في تأثيثها وتزويدها بالكتب الملتقطة، مما أحدث لديهن شعورا بالمساهمة في إنجاز جميل وهادف لم تخفه فاطمة عاملة الفرز التي تقول بخجل إن "قساوة الظروف الاجتماعية حرمتها من الدراسة" كما هو حال بقية الفريق.

ولم يقف الحرمان من التعليم عائقا أمام فتيات ونساء المركز لإيجاد طريقة للانتفاع بهذا المخزون المهم من الكتب، إذ سرعان ما حفظن عن ظهر قلب الفصول الدراسية وأعمار أطفال كل واحدة منهن ليقمن نظاما نشأ بعفوية لتداول الكتب بين أبنائهن تشرف عليه برحابة صدر مديرة المركز.

 العاملات يفرزن الكتب القيمة من وسط النفايات وينشئن بها مكتبات (الجزيرة)

التبرع للمدارس
دفع الكم المهم للكتب المجمعة في المركز وتصنيفها الدقيق القائمين عليه لتبني فكرة التبرع بها دوريا للمدارس والمعاهد الثانوية التي تستقبل تلاميذ وطلبة المناطق المحتاجة والمفتقرة إلى الإمكانيات المادية التي تخول لها توفير الكمية والنوعية الكافية لكتب المطالعة حسب المستويات التعليمية.

ويقول المدير المؤسس للمركز عبد القادر الميساوي إن فكرة إهداء الكتب إلى المدارس والمعاهد الثانوية انطلقت من وعي بضرورة المساهمة في بناء ثقافة الكتاب عند الأطفال، وإنه يمثل مع الفريق العامل حلقة وصل بين كتب قيمة تم التخلي عنها ومدارس تحتاجها في نشاطاتها التعليمية.

ويضيف الميساوي أنه "بحكم تعاملي مع العديد من المؤسسات العمومية والمدارس والمعاهد الخاصة استطعت إقناع العديد من المسؤولين بالقيام بعمليات فرز أولية للنفايات الورقية والكتب والمراجع التي يمكنها إفادة القراء والتلاميذ عن طريق توفير حاويات خاصة بها لحفظها من التلف والتمزق عند الشحن".

وأشار إلى التفاعل الإيجابي الكبير الذي لقيته المبادرة من الجميع، وقال إنه بصدد إتمام اللمسات الأخيرة في تصنيف وتبويب الكتب بغية توجيه أول دفعة تحتوي على قرابة الألف عنوان من الكتب والموسوعات الأدبية والعلمية إلى أحد معاهد المنطقة المجاورة للمركز على أن تتكرر نفس العملية كلما توافرت الكتب.

ثقافة الكتاب
تقوم العديد من الجمعيات الخيرية في تونس بحملات موسمية تتزامن مع العودة المدرسية تستهدف أطفال المناطق المهمشة التي ترتفع فيها نسب الفقر والانقطاع عن الدراسة ليقتصر سعيها بالأساس على توفير المراجع المدرسية عوضا عن الكتاب التثقيفي الذي يفتح مجالات الإبداع والمعرفة لدى الطفل.

وتواجه نساء كادحات عجز الدولة عن توفير فضاءات وكتب للمطالعة في المؤسسات التربوية بالمناطق الفقيرة عبر التقاط الكتب من النفايات ليعدنها إلى مسارها الطبيعي ويضعنها بين أيادي أطفال المدارس والمساهمة في بناء طريق نجاحهم.

المصدر : الجزيرة