عـاجـل: ترامب: سوف نبقي على قوة صغيرة في مكان آخر في سوريا نزولا على طلب الأردن وإسرائيل

"طفل وابتسامات" تدخل الفرحة على تلاميذ مدارس المناطق النائية في تونس

وزارة التربية التونسية تقدر عدد المؤسسات التربوية بالبلاد بنحو 6500 مؤسسة (الجزيرة)
وزارة التربية التونسية تقدر عدد المؤسسات التربوية بالبلاد بنحو 6500 مؤسسة (الجزيرة)

منيرة حجلاوي-تونس

على سفوح جبال أقصى الشمال الغربي التونسي على الحدود الجزائرية، تتراءى من بعيد للزائر مدرسة البياضة بمنطقة الحكم المحلي بغار الدماء في محافظة جندوبة؛ بجدران ناصعة البياض تحيط بها من كل جانب أشجار الزيتون الخضراء الشامخة، ويتوسطها علم تونس بهلاله ونجمته.

وكانت المدرسة في ماض قريب موحشة، وتوشّحت جدرانها بالسواد، وآلت للسقوط، كأنها تلفظ أنفاسها الأخيرة، وتنذر بما يهدد براعم تلك المنطقة المعزولة عن مدن المركز، قبل أن يتغير وضعها جذريا، وتدخل عليها عمليات إصلاح كبيرة بفضل جمعية "طفل وابتسامات".

 المدرسة الابتدائية البياضة بمحافظة جندوبة بعد إدخال تحسينات على بنيتها التحتية (الجزيرة)

عودة ساحرة
أسست مجموعة من الشباب التونسيين عام 2011 جمعية "طفل وابتسامات"، وقرروا مساعدة عدد من المناطق الداخلية للجمهورية من خلال مشروع يرتكز على الاستمرارية في دعم البنية التحتية لمدارسها، ورعاية تلاميذها، وذلك بعد معاينتهم الأوضاع المعيشية المأساوية لهذه المناطق.

ويعمل فريق الجمعية المتطوع وفق برنامج محدد يشمل أربعة تدخلات منتظمة؛ يتعلق أولها بترميم وتهيئة المدارس وجعلها لائقة للدراسة، وتحتوي على كل ظروف التعليم الملائمة لأطفال تلك المناطق النائية.

وتشدد رئيسة الجمعية إيناس راجحي للجزيرة نت على أن هدفهم الرئيسي هو تكوين جيل ناجح وترغيبه في الدراسة والتفوق، وكشفت عن أنهم قاموا بثلاثة مشاريع ترميم كلّي في عين دراهم وجندوبة (شمال غرب الجمهورية التونسية) وأعمال جزئية في ترميم مدرستين في نفزة وحمام بورقيبة بالمنطقة نفسها.

ويتزامن التدخل الثاني للجمعية دوريا مع انطلاقة كل عام دراسي جديد بتنظيم حملة "عودة ساحرة"، عبر توفير كل مستلزمات الدراسة من ملابس وأحذية وحقائب وكتب وأقلام لتلاميذ المدارس المعنية بالتدخل.

وتنظم الجمعية حملة "دفّئني" مع قدوم كل فصل شتاء، ضمن التدخل الثالث الذي تقوم به بتوزيع الملابس والأغطية التي تقي تلاميذ مدارس الشمال الغربي من برودة الطقس القاسية، حيث يعزلهم تساقط الثلوج الكثيف وهطول كميات مرتفعة من الأمطار عن العالم الخارجي كل فصل شتاء.

 الجمعية تقدم المساعدات لتلاميذ المدارس في إطار احتفالي (الجزيرة)

مكتبة للجميع
يتمثل التدخل الرابع في إقامة مشروع "مكتبة للجميع" في كل مدارس المناطق الريفية التي يزورها أعضاء الجمعية، وتمكنوا منذ انطلاقة نشاطهم وحتى اليوم من إقامة ثماني مكتبات.

ويحرص أعضاء الجمعية على التميز ومراعاة مشاعر ونفسية التلاميذ، ويخرجوا في تدخلاتهم من الإطار التقليدي والمعتاد في تقديم الإعانات حتى لا يشعر الأطفال بالحرج أو النقص، حيث يقدمون لهم المساعدات في إطار احتفالي بهيج من الألعاب والمسابقات والملابس التنكرية.

وحث نجاح مشروع الجمعية ذات الأهداف النبيلة عددا من المؤسسات البنكية وشركات الاتصال الخاصة في تونس على تبنّي فكرة جمعية "طفل وابتسامات"، من أجل تقديم الدعم المادي لها، إضافة إلى إشراف وزارة التربية؛ مما ساعدهم على المواصلة.

المسؤولية والدور
تُنسي ابتسامات الأطفال الصادقة العفوية ونظراتهم البريئة ونجاحهم وتفوقهم في الدراسة وتغير سلوكهم الإيجابي وتعلقهم بالمطالعة؛ فريق الجمعية الشاب تعبهم في التنقل، كما تشعرهم في الوقت نفسه بثقل مسؤوليتهم نحو أطفال المناطق  النائية وأسرهم الفقيرة والمنسية.

ورفع تفاعل وكرم التونسيين ووقوفهم يدا واحدة مع الجمعية من تحدياتها لمواصلة النشاط والعمل لصالح المدارس المعنية الموجودة في مناطق معزولة لا تتوفر فيها أبسط ظروف العيش الكريم.

 الجمعية  تنظم كل عام دراسي عودة ساحرة للتلاميذ (الجزيرة)

وتخطت الجمعية كل المخاطر التي ترافق نشاطها بالوصول إلى مناطق مهددة بالإرهاب على الحدود التونسية الجزائرية، وذلك بمساعدة قوات الحرس الوطني التي تؤمّن أنشطتهم من بدايتها إلى نهايتها، حسب رئيسة الجمعية إيناس راجحي.

وتؤكد راجحي أنهم كممثل عن المجتمع المدني واعون بدورهم المحوري في التوعية والتدخل الميداني أيضا، وتقول "على المجتمع المدني ألا ينتظر دور الدولة فحسب، بل عليه أخذ زمام المبادرة.. المدرسة هي الفضاء الوحيد الذي يزرع في أبناء تلك المناطق الانتماء إلى الوطن؛ فمدرستهم وطنهم".

تدخل الدولة
تقدّر وزارة التربية التونسية عدد المؤسسات التربوية في كامل أنحاء البلاد بنحو 6500 مؤسسة تضم عددا كبيرا من المنشآت التي "هرمت وتحتاج إلى تدخل عاجل"، وفق تصريح المكلف بمأمورية ديوان وزير التربية المكلف بملف الجمعيات والعلاقات مع المجتمع المدني لسعد شوشان.

ويوضح شوشان للجزيرة نت أن إمكانات الدولة اليوم لم تعد قادرة وحدها على التكفل بصيانة جميع المؤسسات التربوية، رغم كل البرامج التي وضعتها في هذا المجال، ويقول إن الوزارة عملت على تحسين العلاقة مع المجتمع المدني، وعقد شراكات معه في إطار برنامجيْن رئيسيين، هما: تطوير الحياة المدرسية والبنية التحتية.

 فريق الجمعية يقدم المساعدات بعد معاينة ظروف مدارس المناطق النائية (الجزيرة)

وتتولى الوزارة تسهيل كافة الأمور والإجراءات الإدارية للجمعيات، والتكفل بها، وإسداء التراخيص اللازمة ليكون تدخلها في صيانة بعض المدارس منظما وناجعا.

 في حين يرى شوشان أن دور المجتمع المدني مركزي، ويكمن في دعم مجهود الدولة التي تتفاعل مع مبادراته بصورة إيجابية، قائلا "إنهما يكملان بعضهما البعض، ووزارة التربية تنظر اليوم للمجتمع المدني كرافد من الروافد المهمة داخلها، وكلما أطلقت نداء لبّاه".

المصدر : الجزيرة