بالفيديو: أصبح مزارا سياحيا.. قصة أشهر سجن تحت الأرض بالمغرب

سناء القويطي-المغرب

لا يدرك الواقف في الساحة المقابلة لقبة السفراء بمدينة مكناس المغربية أن تحت قدميه واحدا من أكثر السجون المغربية غموضا وإثارة للخوف.. ينزل الزائر لسجن قارة تحت الأرض عبر أدراج ضيقة، تلف الظلمة المكان إلا من خيوط رفيعة من أشعة الشمس تتسلل محتشمة عبر ثقوب في السقف لتضفي على المكان هالة من الرهبة.

هو سجن مفتوح بلا أبواب ولا زنازين، صمم على شكل يشبه المستطيل، ومقسم إلى ثلاث قاعات واسعة في كل واحدة منها مجموعة من الأقواس والدعامات الضخمة.

مزار سياحي
حبس قارة أو السرداب أو المطبق الإسماعيلي أو الدهليز.. كلها أسماء لهذا المكان تناسلت حكايات وإشاعات حوله، ونسجت أساطير ما زالت تلاحقه إلى اليوم، في حين ظل في خضم هذا الزخم توصيف مرعب يلفه "الداخل إليه مفقود والخارج منه مولود".

وتحوّل السجن التاريخي الذي بني في القرن الثامن عشر إلى مزار سياحي يجذب صيته الأجانب قبل المغاربة، إذ لا يحتاج الزوار سوى عشرة دراهم (دولار واحد) لعيش تجربة لا تضاهى تتملكه خلالها مشاعر متناقضة بين الانبهار والخوف والحزن على أولئك الذين قادهم قدرهم ليدفنوا أحياء في جحيم تحت الأرض.

مشهد خارجي لسجن قارة والثقوب التي يدخل منها الضوء للداخل (الجزيرة)

وتكشف الأرقام التي استقتها الجزيرة نت من وزارة الثقافة أن زوار هذا السجن التاريخي بلغ حوالي 43 ألف زائر خلال الثمانية أشهر الأولى من سنة 2018 مقابل 39 ألف زائر سنة 2017، وأن مداخيل المَعلم قدرت سنة 2018 بحوالي 43 ألف درهم (حوالي 4400 دولار).

مساجين بؤساء
شيد سجن قارة في عهد السلطان مولاي إسماعيل الذي حكم المغرب في الفترة ما بين 1672 و1727، وحسب الباحث في تاريخ المغرب عبد الحق الطاهري فإن هذا السلطان العلوي اتخذ مكناس عاصمة له وأمر ببناء القصبة الإسماعيلية -أي قصر الحكم- تضم مرافق متعددة من بينها سرداب تحت الأرض فوق قبة السفراء.

ويقول المدير الجهوي لوزارة الثقافة بجهة فاس ومكناس رشيد البوزيدي للجزيرة نت، إن قبة السفراء من أهم المآثر الإسماعيلية بمكناس، وهي قاعة مربعة الشكل ذات سقف هرمي مغطى بالقرمود الأخضر كان السلطان إسماعيل يستقبل بها السفراء والبعثات الأجنبية التي تزور مدينة مكناس العاصمة آنذاك.

وبينما كان السلطان يستقبل ضيوفه في القبة فوق الأرض، كان المساجين تحتها يفترشون الأرض ويعيشون أياما بائسة دون أمل في انفراج، ويرجح الطاهري أن يكون السرداب قد بني في البداية ليكون مخزنا للمؤونة في وقت الأزمات خاصة أن السلطان خاض حروبا في مواجهة القبائل الخارجة على سلطته.

ويضيف أنه تم تحويل المخزن بعد ذلك إلى سجن لمعارضيه ومرتكبي الجرائم الكبيرة والأسرى، ويقول "الذي يؤكد أن هذا السرداب كان يؤدي وظيفة أخرى أنه أصبح في فترات مختلفة بعد مرحلة السلطان إسماعيل مخزنا للمؤونة".

شهادات
ينقل الطاهري شهادة أسير فرنسي يدعى مويط -كان أسيرا في بداية حكم السلطان إسماعيل- حكى فيها الظروف الصعبة التي عاشها في السجن، وكيف كانوا يعملون طيلة النهار حتى تنهك أجسادهم تحت إشراف حراس قساة يمعنون في التنكيل بهم.

وكتب المؤرخ المغربي عبد الرحمن بن زيدان المتوفى سنة 1946 عن هذا السجن في كتابه "إتحاف أعلام الناس بجمال أخبار حاضرة مكناس" حيث قال "إنه كان من جملة السجون المعدة للأسارى وغيرهم من أصحاب الجرائم العظيمة، يبيتون به ليلا ويخرجون نهارا للخدمة. استعمال المساجين في الخدمة نهارا وجعلهم بالسجن ليلا هو ما يفعله الاستعمار الفرنسي مع المساجين من الأهالي وكأنه أخذ ذلك من فعل المولى إسماعيل".

مدخل سجن قارة الذي تم تجهيزه لدخول الزوار والسياح (الجزيرة)

قصص غريبة
اختلف الباحثون في تحديد أصل تسمية سجن قارة، فهناك من يقول إنه يحمل اسم سجين برتغالي وعده السلطان إسماعيل بنيل حريته إن استطاع بناء سرداب متين تحت الأرض، في حين يرجع آخرون أصل التسمية إلى فترة الحماية الفرنسية حين اتخذه المستعمر سجنا للأهالي وكان حارسه أقرع، فعرف السجن بصفته تلك بعد تحريفها كون الفرنسيين لا ينطقون حرف العين فصار قارة، غير أن عبد الحق الطاهري يرجح أن يكون السجن يحمل اسم المسجون البرتغالي.

وحسب الطاهري لم يكن لحبس قارة باب للدخول عند بنائه، وأن السجناء كانوا ينزلون إليه عبر سلم من حبال من ثقب كبير قرب قبة السفراء، وأنه من الثقب نفسه يدخل الضوء والهواء وأيضا الطعام.

ووصف ابن زيدان متانة البناء وضخامته في كتابه الذي تناول فترة تولي السلطان إسماعيل العرش، وقال "من تأسيسات السرداب الهائل الكائن تحت أرض فسيحة قبة الخياطين، ذي الأساطين المحكمة البناء والأقواس الضخمة الشاهقة، تمر فوقه الركبان وتجر الدواب عليه الصخور العظيمة وتسير السيارات البخارية المشحونة بالأثقال ذات البال آناء الليل وأطراف النهار، بل جعلت فوقه جنات ذات أشجار وبقول وصارت تسقى بالماء كل آونة فلم يؤثر عليه شيء مما ذكر، يعرف هذا البناء اليوم بحبس قارة".

أعمدة وأقواس ضخمة داخل سجن قارة (الجزيرة)

ويتناقل أهل مكناس قصصا غريبة ومبالغا فيها عن هذا المكان، فيتداولون روايات شفوية عن حدوده التي تمتد إلى مدينة تازة، وأن السجن كان يستوعب 40 ألف سجين، في وقت يتحدث فيه البعض عن اختفاء عدد من الزوار في متاهاته المعقدة وعن أرواح المساجين القلقة التي لا تزال تسكنه وتصرخ كل ليلة داخله.

ويعزو الطاهري تداول تلك الحكايات إلى التكتم الذي كان يحيط بالمكان، ويقول إن الأخبار الخارجة من السجن قليلة كون سجناءه لا يشملهم إطلاق سراح أو عفو، وإنه أمام قلة المعلومات ينشط الخيال والتكهنات.

حالة متدهورة
يقول رشيد البوزيدي للجزيرة نت إن المساحة الإجمالية لهذا السجن تبلغ 8931 مترا مربعا، أما قبة السفراء حيث كان يستقبل السلطان السفراء فمساحتها تصل إلى 289 مترا مربعا.

ويصنف حبس قارة ضمن الآثار طبقا لظهير (أمر) صدر في مارس/آذار 1918، وحسب البوزيدي فقد عرفت قبة السفراء وسجن قارة في الفترة السابقة بعض الترميمات الطفيفة، ومع ذلك لا تزال تحتاج ترميما يشمل جميع الأماكن المتضررة بالإضافة إلى برنامج خاص بالصيانة.

ويشير إلى ضرورة القيام بإجراءات وقائية مستعجلة لسطح السجن لوقف تسربات مياه الأمطار للداخل وإصلاح الأماكن المتضررة وتصفيف الأرضية وبرمجة مشروع ترميم وتدعيم، ورد الاعتبار لكل من قبة السفراء وسجن قارة وفق معايير تقنية وعلمية محددة.

المصدر : الجزيرة