الكويتيون والكهرمان.. حجر كريم أغلى من الذهب

القويضي (صاحب محل كهرمان) يشرح كيفية صنع المسابيح من حجر الكهرمان (الجزيرة نت)
القويضي (صاحب محل كهرمان) يشرح كيفية صنع المسابيح من حجر الكهرمان (الجزيرة نت)

شهد المحاميد-الكويت

لم يكن نواف القويضي يدرك أن هدية ستغير حياته على النحو الذي فعلته مسبحة تلقاها من أخيه الأكبر قبل نحو 12 عاما.

فتحت الهدية "العزيزة جدا" على قلب الفتى باب الفضول على مصراعيه، حتى تحول شغفا يلاحق في ديوانية الوالد أيادي الكبار، وهي تداعب كرات المسابيح واحدة تلو الأخرى.

رويدا رويدا وعلى مر الأيام، انتقلت الهواية إلى ما هو أبعد من جلسات الأهل والأصدقاء، لتصبح محلا غدا فيه الطفل تاجرا.

انضم الشاب الثلاثيني إلى قافلة تجار الكهرمان بالكويت (الكهرب باللهجة الكويتية). وعلى الرغم من كونه أستاذا يدرس التاريخ، فإن مهنته لم تمنعه من اللحاق بشغفه والاستثمار فيه، ليفتح محله الخاص ببيع حجر الكهرمان والمسابيح في سوق المباركية التراثي الشهير.

يقول القويضي إن الكويت تعد منبع تجارة الكهرمان في المنطقة، وقد عرفت بهذه التجارة منذ ستينيات القرن الماضي، حيث يتوافد إليها مواطنو مختلف دول الخليج، وخصوصا أهل قطر، لشراء وبيع الكهرمان.

مسبحة دائرية ولون أصفر ممزوج بالأبيض وهو من الألوان المرغوبة (الجزيرة نت)

مادة لزجة
والكهرمان خام طبيعي موجود منذ ملايين السنين، وهو في الأساس مادة لزجة مأخوذة من شجرة الصنوبر، ومع امتداد السنين باتت مادة صلبة تصنع منها المسابيح والمنحوتات.

وفي حين يعد غرام الكهرمان أغلى من غرام الذهب، تتفاوت أسعار الكهرمان بالكويت التي تبدأ من دينار كويتي (3.3 دولارات) للغرام الواحد، وإلى ثمانين دينارا (264 دولارا) في بعض الأحيان، وتصل أسعار المسابيح في بعض المزادات إلى أكثر من 17 ألف دينار (نحو 56 ألف دولار).

وباختلاف لونه ووزنه وعمره ينخفض أو يرتفع سعر الكهرمان، ومن أكثر ألوانه المرغوبة الأبيض (الطباشيري) مرورا بالأصفر الممزوج بالأبيض (قيمر بالعسل) وصولا إلى الليموني الفاقع والأصفر الداكن، ولا يقتصر الأمر على اللون والوزن والعمر فقط، بل يمتد لشكل قصة المسباح.

وعلى الرغم من الصبغة الإسلامية والعربية للمسابيح بشكل عام، فإن دول بحر البلطيق تعد مصدر أحجار الكهرمان، منذ مئات ملايين السنين، وهذا ما يجعل ثمنها مرتفعا نسبيا.

يتطلب حجر الكهرمان عناية خاصة إذ إن تغييره وتحويله إلى مسابح أو منحوتات يجب أن يتم وفق ظروف مناسبة، فمنها مثلا حرارة يد الإنسان الطبيعية، وألا يتعرض لحرارة أو عوامل دخيلة، فالتغيير الطبيعي هو الأفضل في حين أن الحرارة الدخيلة قد تعرضه للتلف، كما أنه لا ينبغي أن يتعرض لأي نوع من أنواع الكحول وما شابه ذلك، وكلما ازداد عمر حجر الكهرمان واستخدامه زادت قيمته، وخرجت منه رائحة تشبه رائحة الليمون الأسود (اللومي).

سياح أجانب يشاهدون عملية تجميع الخرز لصنع المسابح (الجزيرة نت)

إنستغرام ينعش
بينما كانت تجارة الكهرمان تشهد ركودا ملحوظا قبل عدة سنوات، جاءت منصات مواقع التواصل الاجتماعي لتخرج هذه التجارة من كبوتها، إذ اتجه إليها التجار لإنعاش مهنتهم، حيث عمدوا إلى نقل مزادات حجار الكهرمان والمسابيح بشكل مباشر على هذا الموقع وغيره.

وفتحت هذه المنصات الباب واسعا أمام المهنة أكثر من أي وقت مضى، وساعدت التجار على تعريف الناس بها ومميزاتها، مما جعل مجموعات وشرائح جديدة تقبل على شرائها واقتنائها، فلم تعد تُرى في أيدي كبار السن فقط بل الشباب أيضا.

وفي حين تتراوح نسبة الكويتيين من العاملين بتجارة الكهرمان بين 80% و90%، يحتل المرتبة الثانية الوافدون السوريون. يقول القويضي إن بعضهم أقدم منا في المهنة، ونتعلم منهم حتى الآن.

ويكثر الطلب على المسابيح المصنوعة من الكهرمان في بعض المناسبات خاصة شهر رمضان، حيث يكثر إهداء المسابيح بين العوائل الكويتية، وهي عادة قديمة لم تتغير بتغير الزمن. كما تنشط تجارة الكهرمان عادة في الشتاء، بسبب التزامات الأسر الخليجية في الصيف الذي يشهد فيه سوق الكهرمان ركودا مثل أي مهنة أخرى.

يشكو القويضي من قلة الدعم الحكومي لمهنة تجارة الكهرمان الذي يعده غائبا كليا، عازيا أسباب ذلك إلى اعتبار الحكومة المهنة مجرد هواية، إذ إن الكهرمان بالنسبة للكثيرين يعتبر من الكماليات وليس الأساسيات، مطالبا بأن يتم العمل على إشهار جمعية تعنى بشؤون هذه التجارة.

كما أعرب عن أمله في أن يقام معرض سنوي لتنشيط المهنة كما هو معمول في دولة قطر ضمن فعاليات معرض كتارا السنوي الذي لاقى بحسب القويضي نجاحا كبيرا وإقبالا لافتا بنسخته الأخيرة.

المصدر : الجزيرة