أشهرها النسر وبعضها ثروة.. حكايات وأسرار الأختام عند المصريين

تطور الأختام في مصر خلال المئة سنة الأخيرة (الجزيرة)
تطور الأختام في مصر خلال المئة سنة الأخيرة (الجزيرة)

عبد الرحمن أحمد-القاهرة

في حياة المصريين عشرات الأختام، لها أسرار وحكايات، بعضها لا تسير مصالحهم من دونها، وأخرى قد تجلب لصاحبها ثروة صغيرة، وثالثة ساهمت في إعادة أرض محتلة، فضلا عن كونها سجلا تاريخيا يحكي سياسة واقتصاد البلاد.

يعد ختم النسر الأشهر والأهم، إذ يصحب المواطن طوال حياته، من شهادة الميلاد وحتى الوفاة وما بينهما من وثائق دراسية وعقود زواج وطلاق، فضلا عن أحكام قضائية وتقارير طبية.

ووفقا للقانون رقم 145 لسنة 1984 فإن خاتم الجمهورية يتألف من شعارها (نسر صلاح الدين) موضوعا داخل إطار دائري الشكل، ومحاطا بزخارف عربية الطراز، وينقش على أختام الوزارات والمصالح العامة المختلفة، وتبصم به القوانين والمراسيم والمعاهدات وأوراق الاعتماد والوثائق الرسمية الأخرى.

وتقترب أهمية ختم النسر الدائري الأزرق لدى الموظف المصري من درجة التقديس، فلا اعتراف بورقة أو تسيير مصلحة إلا إذا كانت ممهورة برمز البيروقراطية العتيقة، ومهما حملت أوراق المواطن من أختام وتوقيعات فلن يترتب عليها أي حقوق أو التزامات من دون النسر. 


ختم اللحوم
إذا وقفت يوما أمام أحد محال الجزارة ونظرت إلى اللحوم التي يعرضها سيلفت انتباهك الأختام المختلفة التي تزينها، وربما لا تعرف أن هذه الأختام تشرح لك نوع الذبيحة، وما إذا كانت لحومها محلية أو مستوردة، صغيرة أو كبيرة.

ومنذ نشأت مصلحة الطب البيطري في عهد محمد علي باشا (حكم مصر بين عامي 1805 و1848) يتم ختم اللحوم، ويؤكد الختم أن عملية الذبح تمت في المجازر المختصة، وظلت هذه الأختام مستخدمة حتى بداية عام 2018، حيث استبدلت بأختام جديدة تعرف بالبصمة، يتم تصنيعها في دار سك العملة بمواصفات فنية تجعلها غير قابلة للتزوير.

وتختلف الأختام الجديدة من حيث الشكل والتصميم والحجم طبقا لنوع الذبيحة، فالختم المستدير للحوم البلدية الصغيرة، والختم المربع للحوم البلدية الكبيرة والماعز، واللون الأحمر للحوم البلدية، والختم السداسي باللون البنفسجي للحوم المستوردة، أما لحوم العوارض (حيوان تعرض لحادث وأشرف على الموت دون أن يكون السبب مرضيا) فأختامها حمراء ثمانية الأضلاع.

مجموعة طوابع بور فؤاد النادر يتجاوز سعرها 2000 دولار (مواقع التواصل الاجتماعي)

أقوى من الإمضاء
ومن الأختام الرسمية إلى الأختام الشخصية، تختلف الحكاية وتختلف الألوان والأشكال، فمنذ قرون يحمل أغلب المصريين أختاما شخصية مصنوعة من الفضة والنحاس.

ويذكر المستشرق إدوارد وليام لاين في كتابه "عادات المصريين المحدثين وتقاليدهم"، الذي يؤرخ للمجتمع المصري في القرن التاسع عشر، أن المصري كان يضع في خنصر يده خاتما منقوشا من الفضة عليه اسمه ويستخدمه لمهر الرسائل والكتابات الأخرى، وهو مُلزم أكثر من أدوات الإمضاء الأخرى.

ولهذه الأختام أهمية كبيرة لدى المصريين، ففقدان أحدهم لختمه كفيل بأن يُفقده كل أملاكه إذا وقع في أيد غير أمينة.

ولا يزال استخدام الأختام الشخصية موجودا حتى اليوم خاصة لدى كبار السن ومن لا يجيدون القراءة والكتابة، ويستخدمونه في معاملاتهم البنكية والمالية على وجه الخصوص، فضلا عن كافة الإجراءات الحكومية والمكاتبات الرسمية التي تتطلب منهم التوقيع عليها بأسمائهم.


ثروة صغيرة
للأختام مكانة خاصة في عالم هوايات جمع المقتنيات، فهناك من يجمع أداة الختم نفسها، وهناك من يجمع أشكالها المختلفة على الأوراق والمكاتبات الرسمية والشخصية.

أما أشهر أشكال الأختام التي يهتم الهواة بجمعها فهي أختام البريد المختلفة، التي قد تساوي ثروة صغيرة إذا كانت من الأختام النادرة.

ويرجع أول الأختام البريدية في مصر إلى عام 1798 عندما افتتح الاحتلال الفرنسي مكاتب للبريد، وأدخل أول ختم بريد يدوي.

وهناك العديد من الأختام النادرة المتعلقة بالبريد المصري، مثل أختام "بوسطة محمد علي" التي كان يساوي سعر المغلف منها ما بين 2000 و5000 دولار، حتى قبل ثلاث سنوات عندما تم اكتشاف نحو 100 مغلف في أسيوط لينخفض سعرها إلى 500 دولار.

كما أن المغلفات التي تحمل أختام الخط البريدي الذي أسسه توماس واجهورن ضابط البحرية الإنجليزية من الإسكندرية إلى السويس من عام 1833 إلى 1846، تعد نادرة للغاية ولا يقل سعر الواحد منها عن 5000 دولار.

وهناك أختام ما يعرف بـ"البوستة الأوروبية" في مصر، والتي تأسست في منتصف القرن التاسع عشر، وبعضها نادر للغاية، وتماثلها في درجة الندرة أختام المكاتب التي افتتحتها مصلحة البريد المصرية منذ عام 1865 خارج مصر، وبعض هذه الأختام لم تُر قط سواء على طوابع أو مغلفات، ووصل سعر أحد هذه المغلفات الذي يحمل ختم "زيلع" (منطقة صومالية) إلى 20 ألف يورو.

نوع آخر من الأختام يتعلق بطوابع البريد ولكنه يختلف عن الختم البريدي ويسمى "التوشيح"، إذ تلجأ إدارات البريد إلى طباعة نص معين على بعض طوابعها أو كلها في وقت لاحق على طباعتها لتبديل موضوعها أو فئتها، ولعل أشهرها وأندرها في البريد المصري هو "مجموعة بور فؤاد".

وتحظى هذه المجموعة باهتمام عالمي بالغ، ويتراوح سعرها بين 2000 و3000 دولار بشرط وجود شهادة تثبت أصليتها.

أختام طابا
ولعبت أختام البريد دورا هاما في استعادة مصر أرضها المحتلة في طابا، وفقا لرواية مفيد شهاب وزير التعليم العالي السابق وعضو الفريق القانوني المصري لاستعادة طابا.

ويقول شهاب إن إسماعيل شيرين آخر وزير للحربية في عهد الملك فاروق، والذي كان قائدا للكتيبة المصرية في طابا، تطوّع للإدلاء بشهادته أمام المحكمة الدولية التي تنظر إجراءات التحكيم، وقدم خطابات رسمية بعث بها إلى زوجته وأسرته من طابا، وردودا على تلك الخطابات أرسلت إليه هناك، وأن أختام البريد والطوابع تؤكد ذلك، مشيرا إلى أن شهادته زادت من اقتناع المحكمة بأحقية مصر في أراضيها المحتلة.

أختام شخصية مصنوعة يدويا من النحاس (مواقع التواصل الاجتماعي)

عملات وأختام
ولا يخلو عالم هواية جمع العملات بدوره من الارتباط بالأختام، ولعل أشهرها في مصر ما تعرف بـ"نقود كوم أمبو" التي لا يعرفها معظم المصريين.

ففي أثناء ثورة 1919، وبعد انقطاع اتصال وادي كوم أمبو (في أقصى جنوب مصر) بالقاهرة، قرر مفتش كوم أمبو وقتها أحمد بك مصطفى إصدار سندات نقدية كُتبت يدويا بالحبر الأحمر والأزرق على وجه واحد، وعلى ورق خاص غير متوفر تجاريا وختمت بختم المفتش الرسمي، وتم سحبها بعد استتباب الأمن.

وبيعت مجموعة من هذه الأوراق في أحد المزادات العالمية عام 1994 بمبلغ تراوح بين 5500 و6500 جنيه إسترليني، بحسب دراسة للباحث وهاوي العملات أحمد الغريب.

وهناك أنواع أخرى من الأختام التي ترفع من قيمة الأوراق النقدية وهي الخاصة بنماذج وتجارب العملات والتي تحمل على وجهها كلمة "لاغي" أو نموذج، وهي تعني أن هذه الورقة النقدية إما نموذج يتم توزيعه على البنوك المختلفة لتعريفها بالإصدارات الجديدة، أو تجربة لتصميم لون مختلف عن العملة الأصلية.

وتحظى هذه النماذج باهتمام خاص لدى الهواة، وبيعت بعض النماذج النادرة بمبالغ تصل إلى آلاف عدة من الدولارات.

المصدر : الجزيرة