عـاجـل: الأمن اللبناني: إصابة 17 من قوات الأمن خلال قيامهم بمهامهم اليوم في وسط بيروت ومناطق أخرى

قطار الحديد الموريتاني.. على خطى قوافل الجمال في الصحراء

قطار نقل الحديد يعبر 700 كلم من الصحراء (الصحافة الفرنسية)
قطار نقل الحديد يعبر 700 كلم من الصحراء (الصحافة الفرنسية)

ألقت صحيفة لوفيغارو الفرنسية -في تقرير ميداني طويل من موريتانيا- الضوء على نشاط بشري مجهول ينتظم على جنبات سكة حديدية تمتد من قلب الصحراء الكبرى إلى المحيط الأطلسي عبر أكثر المناظر الطبيعية عدائية على هذا الكوكب.

ووصف أدريان غومبو للصحيفة رحلة قطارات الحديد العملاقة التي تعبر سبعمئة كيلومتر من الصحراء الموريتانية على قضبان مهددة باستمرار بزحف الرمال ناقلة خامات معدن الحديد إلى ميناء التصدير في نواذيبو.

ويقول الكاتب إن مدينة الزويرات القائمة على استخراج المعدن تهتز بانتظام على وقع انفجارات الديناميت في جبل الحديد الذي يطل عليها دون أن يطرف لأحد جفن لتعوّد السكان على هذه الهزات منذ أكثر من نصف قرن، تغذت خلاله موريتانيا على خامات سفوح "كيدية الجل" (جبل الجلد) التي قيل إن الطيار الفرنسي أنطوان دوسانت إكزوبيري شعر بمغناطيسها يشد طائرته إلى الأرض.

سكان الزويرات يركبون فوق عربات قطار نقل خامات الحديد لنقل أغراضهم بطريقة غير قانونية (رويترز)

وتنطلق من المدينة كل يوم حوالي خمسين ألف طن من المعدن على أطول وأبطأ وأثقل قطار على هذا الكوكب، مما يوفر لسكان الصحراء وسيلة للإمداد والتنقل بصورة غير شرعية من الناحية القانونية.

ورغم أن الحديد اكتشف منذ عام 1068 من قبل رجل عربي يدعى البكري، فإن هذه الصحراء لم يعبرها سوى قوافل الملح حتى تأسست الشركة الفرنسية "مناجم حديد موريتانيا" (ميفيرما) عام 1952 عند سفح كدية الجل حيث أنشأت من العدم مدينة الزويرات التي ستكون نقطة تلاقي المستعمرين والعمال القادمين من كل أنحاء الصحراء.

ولم تكن الصعوبة بالنسبة للشركة الجديدة في استخراج خامات الحديد بقدر ما كانت نقلها إلى ميناء على المحيط الأطلسي للتصدير الذي لم يتم حتى عام 1963، حين غادر أول قطار مدينة الزويرات إلى نواذيبو يوم 12 أبريل/نيسان في رحلته التي ما زالت تتكرر إلى اليوم رغم تأميم الشركة الفرنسية واستبدالها بالشركة الوطنية للصناعة والمناجم (سنيم) عام 1974.

ومع أن نقل الحديد قد تعثر عام 1977 بسبب هجمات جبهة البوليساريو (جبهة تحرير الصحراء الغربية) على المدينة، فإن العمل لا يزال مستمرا رغم أن المدينة فقدت الكثير من بريقها، كما يقول "لمرابط" المدرس المتقاعد ورئيس المتحف هناك.

مسافرون غير شرعيين
يراقب المسافرون الآلات التي تعمل على تكسير المعادن، ونقلها عبر شاحنات ثقيلة إلى العربات من فوق المنازل خوفا من فوات القطار الذي يغادر دون موعد محدد عندما تمتلئ عرباته.

 القطار مصدر الحياة بالمناطق الصحراوية التي يشق طريقها (رويترز)

وقد ينتظر المسافر ساعة أو ساعتين أو ربما ليلة كاملة لأن القطار يغادر في وقت مبكر بعد الظهر، ويحدثنا الكاتب عن أسرة دحان الذي يساعد زوجته في تسلق القطار ويتناول ابنه من موظف في الشركة كما لو أنه سلة.

ويقول الكاتب إن دحان -الذي يسافر إلى بولنوار المحطة الأخيرة قبل نواذيبو- يجلس أخيرا فوق فراش من صخور المنجم السوداء في رحلة تستمر ما يقرب من 12 ساعة، وذلك رغم أن السفر فوق الخام محظور ويتم التغاضي عنه.

ويشير إلى رجل آخر على بعد خطوات من دحان يحاول تثبيت بعض الماعز فوق الجزء العلوي من العربات في انتظار أن يتسلمها صديق له في قرية شوم على الطريق، في حين توجد نهاية القطار المقصورة المخصصة لموظفي الشركة، حيث يوجد صديقان ذاهبان في إجازة وشاب ضاق بالزويرات ويبحث عن العمل في نواذيبو.

مصائد الصحراء
على بعد كيلومترين من المقصورة، يقوم السائق مكام بتشغيل محركاته بقوة 3300 حصان استعدادا للتعامل مع تضاريس الصحراء غير المرئية بالعين المجردة، قائلا "الصحراء ليست مسطحة على الإطلاق" خاصة بالنسبة لمن يجر 16 ألف طن صاعدا ويحاول إيقافها هابطا.

ونبه الكاتب إلى أن أقصى سرعة لهذا العملاق لا تتجاوز 50 كلم في الساعة، وأن الرعاة يتسابقون نحو القضبان لاستلام الخبز الذي يرميه لهم عثمان مساعد السائق من النافذة عند مرور القطار، في عادة لا يعرف أحد بدايتها ولكنها أول صلة أهل الصحراء بالخبز.

ويتحدث الكاتب في وصف مُفصل للرحلة عن وقفات القطار وغداء الطاقم المكون من الأرز ولحم الإبل والشاي بالنعناع الذي يعدونه، ويشير إلى الصعوبات التي يلقاها المسافرون فوق خامات الحديد في إعداد طعامهم وشايهم وكأن القطار أصبح قافلة متنقلة تذكر بأيام قوافل الملح على الجمال في هذه الربوع.

وقال إن حالة محاور السكة الحديدية على طول المسارات تتحكم فيها مستشعرات موصولة بالألياف البصرية بمحطة نواذيبو لتحديد وزن القطار وسرعته، وهي تقنية لا تعمل دون أيد تقف على طول الطريق تتمثل في حراس بؤساء يعيشون في أكواخ من الطين مدعومة بقضبان قديمة، ومهمتهم إزاحة الرمال عن أجهزة الاستشعار.

ويعرج الكاتب على المخاطر بهذه المساكن حيث رأى "خادي" قبل بضعة أشهر عند الكيلومتر 560 ستة من أفراد عائلته يموتون في صعق كهربائي أثناء عاصفة عنيفة، وعلى مسافة منه يحاول محمد الذي يعمل في نفس الوظيفة عدة مرات يوميا التأكد من أن الصندوق يسجل بيانات القطار ويتلقى إمداد المياه والخضراوات والمواد الغذائية عبر سيارة تمر أسبوعيا.

  العديد من المدارس تعيش بفضل ما يحمله القطار الصحراوي من بضائع (رويترز)

اقتحام العربات
يصف الكاتب الهدوء القاتل في قرية شوم التي تتوقف عندها الطرق المعبدة التي يتجمع فيها الباعة والمسافرون الذين ينتظرون مرور قطار لا يعرفون متى يصل قبل أن يتسارع كل شيء بمجرد اقتراب العملاق فيهجم الركاب على العربات ويهب رجل لاستلام قطيع الماعز وإنزاله إلى الأرض، غير أن دحان وعائلته يبقون فوق خامات الحديد بحلول الليل في مواجهة ليلة طويلة وباردة.

وبما أن هناك زوجا واحدا من القضبان على طول الحدود مع الصحراء الغربية، فإن القطار الحامل للخامات تكون له الأولوية القصوى مما يجعل القطارات الأخرى تلجأ إلى الطرق الالتفافية وربما تتوقف.

وينبه الكاتب إلى أن القطار الصحراوي يعتبر مصدر الحياة في هذه المناطق، وينقل فيه بعض المسافرين البضائع والماء، في حين يجد السياح الفرصة لاستكشاف المنطقة، وتعيش بفضله المدارس في القرى الواقعة على طريقه.

ويصف المرحلة التالية من الرحلة حين فقدت الإشارة من أجهزة الحاسوب المحمولة، وغاصت القضبان في أفق جاف غير واضح بسبب الهواء الحارق، مشيرا إلى أن ما بعد قرية شوم ليس كما قبلها، إذ تختفي أكواخ الطين وتحل محلها أشرعة وخيم كبيرة.

وعند الوصول إلى نواذيبو، لا يرى الكاتب في العاصمة الاقتصادية لموريتانيا سوى ضاحية ضخمة، تهيمن عليها شركة سنيم (أكبر مزود للوظائف بعد الدولة) حيث يتم نقل خام الحديد مرة أخرى إلى أجواف السفن لتصديره. 

المصدر : لوفيغارو