الآبار والخضروات.. حيل الفلاح المصري لمواجهة نقص المياه

محمد السيد-الجيزة

يبدو أن أزمة نقص المياه في مصر دفعت المزارعين إلى ابتكار حيل جديدة وتغيير نمط زراعتهم المستمر منذ آلاف السنين، وذلك بالاعتماد على المياه الجوفية وما تحمله من أملاح زائدة، فضلا عن الاعتماد على زراعة الخضروات بسبب استهلاكها كمية مياه أقل.

ففي قرية كفر غطاطي بمحافظة الجيزة، لجأ المزارعون إلى زراعة الخضراوات الورقية من "جرجير وفجل وشبت وبقدونس" لمواجهة نقص المياه بصفة دورية، فضلا عن تحذير الحكومة مؤخرا من زراعة المحاصيل التي تستهلك مياها كثيرة.

وقبل أيام، أعلن وزير الري والموارد المائية حالة الطوارئ في الوزارة لفقدان الدولة قرابة خمسة مليارات متر من تدفقات مياه النيل، وتأثير ذلك على الزراعة.

وفي أبريل/نيسان 2018، وافق البرلمان المصري على مشروع قانون يقضي بتعديل أحكام قانون الزراعة لمنع زراعة المحاصيل الأكثر استهلاكا للمياه، مثل الأرز وقصب السكر والكتان، بسبب التأثيرات المحتملة لسد النهضة الإثيوبي على حصة مصر من مياه نهر النيل.

وتبلغ حصة مصر من مياه النيل 55.5 مليار متر مكعب سنويا، وهو ما يساوي نحو 90% من احتياجات البلاد، بينما تأتي النسبة المتبقية من المياه الجوفية والأمطار وتحلية مياه البحر.

وتسعى إثيوبيا إلى تخزين 74 مليار متر مكعب من مياه النيل خلف سد النهضة، وسط توقعات خبراء بأنها سترتفع إلى 100 مليار متر مكعب، وذلك بعد تشبع قاع البحيرة والتسريب من خلال الشقوق الجيولوجية العميقة، مما قد يؤثر في حصة مصر المائية.

الزراعة في مصر تأثرت بشدة بعد أن فقدت البلاد قرابة خمسة مليارات متر من تدفقات مياه النيل خلال العام الجاري (الجزيرة)

الكارثة أسوأ
اعتراف الوزير بأزمة المياه دفع المزارعين لتوقع الأسوأ، حيث لم يعتد المصريون على أن تصارحهم الحكومة بالحقائق كاملة.

يقول المزارع الثلاثيني كرم محمد إن حال الزراعة في مصر تسوء عاما تلو الأخر، وهو ما يؤثر على الفلاح بسبب عدم اهتمام الحكومة بمتطلباته الأساسية، لافتا إلى أنه مع تحذيرات المسؤولين بدأ هو وجيرانه في الأراضي الزراعية تغيير المحاصيل التي تستهلك المياه، رغم ما يواجهه من عقبات.

ويوضح محمد أنه يستأجر ثلاثة فدادين يزرعها بالخضراوات المختلفة، حيث تصل تكلفة زراعة كل فدان نحو ستة آلاف جنيه (الدولار حوالي 17 جنيها)، لافتا إلى أن النباتات ماتت في فدانين بسبب نقص المياه، وهو ما يضطره للجوء إلى المياه الجوفية، لكنها تسبب أضرارا كبيرة بالتربة لاحتوائها على أملاح كثيرة.

وأضاف أن "محصول الأرز غير موجود في المنطقة لأنه يحتاج كميات كبيرة من المياه، لكن المياه تصل إلينا كل ثمانية أيام وتستمر أربعة أيام فقط".

كثير من الفلاحين لجؤوا لزراعة الخضروات الورقية من الجرجير والفجل والشبت والبقدونس لمواجهة نقص المياه (الجزيرة)

غياب الدولة
بدروه يتساءل المزارع إبراهيم موسى عن المحاصيل الزراعية الأخرى التي ستزرع مع ندرة مياه النيل عقب تصريحات وزير الري، ويقول إن أسلم الأمور هو الاستمرار في زراعة الخضروات لحين معرفة الوضع في المستقبل القريب، وهو ما فعلته أيضا جميع القرى المجاورة.

ويضيف "إذا قل منسوب النيل أكثر من ذلك، فإن على الحكومة أن تبادر بالحل قبل أن تتحول الأزمة إلى كارثة، وعلى أقل تقدير يجب عليها إرسال مهندسين زراعيين لإرشاد الفلاحين حول كيفية التعامل مع نقص المياه".

ويعرب موسى عن أسفه من الإهمال المستمر من قبل الحكومة للفلاح، مؤكدا أنها لا تعرف ماذا تريد حين تتجه إلى استصلاح أراض زراعية وفي الوقت نفسه تفرض قيودا في الزراعة، فضلا عن خطورة نقص المياه.

"الزرع بيموت وبيوتنا بتتخرب"، بهذه العبارة بدأ الحاج أحمد متولي كلامه، قائلا "نواجه معاناة كبيرة تهدد بتلف المحاصيل وبوار تلك الأراضي، بسبب نقص المياه حاليا، فما بالك عندما نواجه الكارثة التي أعلن عنها مؤخرا، ولا سيما أن زراعة الأرض هي مصدر الرزق للآلاف الأسر".

وأضاف "نشاهد كل يوما مأساة جديدة لأحد الفلاحين وزرعه يموت أمامه، وهو ما يجعلنا نروي بالمياه التي تصلنا راكدة وتراها كأنها مياه صرف وليست مياها نقية".

وتبلغ حصة مصر من مياه النيل 55.5 مليار متر مكعب، تستهلك الزراعة معظمها بنسبة 80%، في حين تبلغ المياه الجوفية والأمطار حوالي 4.5 مليارات متر مكعب سنويا، لكن الاحتياجات الحقيقية تبلغ نحو 114 مليار متر مكعب، وهو ما جعل مصر تعاني من شح المياه وتدخل في نطاق الفقر المائي.

المصدر : الجزيرة