النكلة والتعريفة والقرش.. "عيدية زمان" المليئة بالبركة في مصر

المصريون يحافظون على استمرار العيدية التي كانت رغم صغر فئتها مليئة بالبركة (الجزيرة)
المصريون يحافظون على استمرار العيدية التي كانت رغم صغر فئتها مليئة بالبركة (الجزيرة)

عبد الرحمن أحمد-القاهرة

مع انتهاء صلاة عيد الأضحى بإحدى الساحات الشعبية بمحافظة الجيزة غرب القاهرة يسرع الأحفاد الثلاثة حسام وأحمد ومعاذ إلى جدهم السبعيني، وليتحلقوا حوله في سعادة، وبإلحاح طالبوه بالعيدية.

أشار الجد حمدي علي (75 عاما) إلى أحفاده أن ينتظروا حتى ينتهي الإمام من خطبة العيد، ولكن أمام إصرارهم البريء أخرج الرجل من جيبه بضع أوراق نقدية جديدة من فئة العشرين جنيها، حصل عليها خصيصا لتكون عيدية لأحفاده، ومنح كل منهم ثلاث ورقات، ليطيروا بها فرحا.

يجادل أحد الأحفاد جده الموظف السابق بهيئة سكك حديد مصر، بأن هذه العيدية غير كافية، فيترحم الرجل على أيام النكلة والتعريفة والقرش (أسماء فئات نقدية مصرية، كانت تطلق على المليمين والخمسة مليمات والعشرة مليمات على الترتيب، والجنيه يساوي ألف مليم).

بركة زمان
بركة زمان.. جملة شائعة بين المصريين وخاصة كبار السن منهم، يؤكدها الحاج حمدي، مستعيدا ذكريات الماضي بأن العيدية قديما رغم صغر فئاتها فإنها كانت مليئة بالبركة وليست مثل نقود اليوم، وأن المليمات والقروش التي كان يحصل عليها من الأهل كعيدية كانت بمثابة ثروة.

يخرج الرجل قطعا نقدية قديمة من حافظة نقوده، يقول إنه يحتفظ بها تذكارا لهذه الأيام، ويعدد الفئات النقدية للعيدية التي كان يتحصل عليها هو وأقرانه بداية من المليم الذي كان يمكن به شراء "النداغة" (نوع من الحلوى المصنوعة من العسل والسمسم)، أو كوب كبير من مشروب العرقسوس، مرورا بالنكلة والتعريفة والقرش ووصولا إلى فئة القرشين التي كان يطلق عليها نص فرنك، والتي كانت تكفي لدخول السينما ومشاهدة ثلاثة أفلام مرة واحدة.

ويضيف الحاج حمدي في حديثه للجزيرة نت أن الحصول على شلن (خمسة قروش) أو بريزة (عشرة قروش) أو ريال (عشرين قرشا) دفعة واحدة كان بمثابة عيد إضافي، ولكن مع تغير القيمة الشرائية للعملة المصرية، ظلت العيدية تكبر في فئتها وتقل بركتها، حتى صارت المئة جنيه لا تساوي قروشا قليلة.

المليم والتعريفة والنص فرنك عملات معدنية كانت تقدم عيدية للأطفال في مصر (مواقع التواصل الاجتماعي)

تاريخ العيدية
وتعتبر العيدية من العادات الضاربة في جذور التاريخ المصري، وترجع إلى عصر الدولة الفاطمية (358-567 هـ)، وفق المؤرخ إبراهيم عناني، حيث كانت الدولة وأوقافها توزع النقود والملابس على أرباب الوظائف في عيدي الفطر والأضحى تحت اسم الرسوم أو التوسعة، وهو ما اصطلح الناس على تسميته بالعيدية.

وبحسب دراسة لعناني بعنوان "تاريخ العيدية عبر العصور"، نشرها سابقا في مقالات بالصحف المحلية، فإن الخليفة آنذاك كان يخرج على الرعية من أعلى أحد أبواب قصر الخلافة، وينثر عليهم الدراهم الفضية والدنانير الذهبية.

ويشير عناني عضو اتحاد المؤرخين العرب، إلى أن العيدية أخذت الشكل الرسمي في العصر المملوكي وأطلق عليها "الجامكية"، وكانت عبارة عن طبق حلوى ودنانير ذهبية، وتقدم إلى الأمراء وكبار رجال الجيش، وتختلف قيمتها باختلاف مكانة الشخص ورتبته.

أشكال مبتكرة ومبهجة لتقديم العيدية (مواقع التواصل الاجتماعي)

أشكال مبتكرة
ومع توالي العصور ظلت عادة تقديم العيدية مستمرة في مصر، ولكنها تحولت من الشكل الرسمي، إلى تقليد أسري تقدم فيه الهدايا والنقود من الأهل إلى الأطفال، وإلى الكبار أحيانا وخاصة النساء، سواء الأم أو الأخت أو الزوجة أو الخطيبة.

وينتظر الأطفال العيدية بشغف كبير، فهي تمثل لهم مصدر السعادة الأكبر في العيد، ودائما ما يفضلون أن تكون العيدية من النقود الجديدة، حتى وإن كانت من الفئات الأقل، لذا يلجأ العديد من الأشخاص إلى البنوك قبل الأعياد للحصول على النقود الجديدة ذات البريق الخاص لدى الصغار.

ومع الأوضاع المعيشية الصعبة، اضطر كثير من المصريين إلى جعل العيدية مبلغا رمزيا يُفرِح الصغار ويراعي ميزانية الأهل المرهقة، في حين انتشرت العديد من الأشكال المبتكرة والمبهجة لتقديم العيدية تجمع بين النقود والحلوى والزهور، وتلقى رواجا خاصا بين الشباب لا سيما من هم في فترة الخطوبة أو بداية الزواج.

بسبب الأوضاع المعيشية الصعبة اضطر كثير من المصريين إلى جعل العيدية مبلغا رمزيا يُفرِح الصغار ويراعي ميزانية الأهل المرهقة (مواقع التواصل الاجتماعي)

العيدية على مواقع التواصل
ومع حلول الأعياد، لا تخلو مواقع التواصل الاجتماعي من المشاركات الساخرة والكوميدية حول العيدية.

فبينما يحاول البعض لفت أنظار الأهل والأقارب إلى ضرورة إعطائهم العيدية رغم أنهم لم يعودوا أطفالا، يتندر آخرون على تهربهم من طلبات الحصول على العيدية.

المصدر : مواقع التواصل الاجتماعي,الجزيرة