بالفيديو.. مبادرة تحول المدينة العتيقة بالرباط إلى تحفة فنية

مريم التايدي-الرباط  

علت ابتسامة رضا عريضة وجهي الشابتين إيمان وسيلينا وهما تهمان بالخروج من مسكنهما بأحد أزقة المدينة العتيقة بالرباط، وأعربتا عن فخرهما بالسكن بزنقة تلمسان التي أضحت إحدى وجهات الزائرين للمدينة العتيقة بالرباط، بعد أن تزينت بألوان جذابة وتطرزت جوانبها بالورود والمزهريات ومشاتل النباتات.
 
وأحبت سيلينا -زائرة أجنبية جاءت المغرب في برنامج تطوعي واختارت السكن بالمدينة العتيقة للرباط- المكان ونوهت بمبادرة التزيين التي أشرف عليها سكان الزقاق.
 
مبادرات
اعتاد عبد السلام الصالح (متقاعد في الستينيات) تزيين بيته من الخارج في سوق السباط بالمدينة العتيقة بالرباط قبل أن يحذو سكان حيه حذوه، ضمن مبادرة شعبية حازت إعجاب كل من رآها أو سمع عنها.
 
ويقول عبد السلام للجزيرة نت إنه اقتبس اللون الأزرق الغامق من حدائق الماجوريل بمراكش وحاول مزجه باللون الأصفر ثم زين الزقاق بالزهور ليضفي عليه جمالا ورونقا.
 
وشارك الجيران شغف عبد السلام بتزيين الزقاق وتجميله وحولوه بمجهودات مشتركة إلى تحفة فنية تسر الناظرين وتجذب زوارا مغاربة وأجانب ظلوا يلتقطون صورا تذكارية كلما مروا بالمكان.
 
وطالب عبد السلام الصالح المواطنين بالحفاظ على جمال المدينة ورونقها باعتبارها ملكا لهم، بينما ثمنت مجموعة من التجار المبادرة، وقالوا إن المدينة أصبحت اليوم تحفة تليق بمكانتها التاريخية وتحتل موقعا مهما في الجذب السياحي.
الشكل الجديد لزقاق المدينة بعد تجميله  (الجزيرة)

وغير بعيد عن سوق السباط في قلب المدينة العتيقة للرباط، تعلو جدران زنقة الجراري مزهريات بنباتات طبيعية على طول الزقاق الذي يربط عمق المدينة العتيقة برافد قصبة الأوداية ذات العبق الأندلسي.

وتخفي القصبة والحي المحيط بها أسرار التزيين أو التجميل الضاربة في التراث المغربي بأبوابها وأسوارها وشرفات المنازل التي تتدلى منها النباتات العطرية، في تمازج بين صلابة الموروث المرابطي والسور الموحدي وجمال الموروث الموريسكي، في حين حرص سكانها على استعمال الألوان المتوسطية (الجير الأبيض واللون الأزرق السماوي).

عادة متوارثة
وقد دأب المغاربة منذ القدم -خصوصا في القرى والأحياء الشعبية- على طلاء المنازل وتبييضها وتزيينها في المناسبات والأعياد الدينية التي تسمى في الموروث الشعبي بـ"العواشر" تيمنا بالأيام العشرة المباركة من شهري رمضان والمحرم وبتعشير المحاصيل (إخراج زكاتها وهو العُشر) عند موسم جني الغلال.

وكان شباب في أحياء أخرى بالرباط مثل الملاح والبريد والحبوس قد زينوا أزقتهم فيما مضى، في حين اعتاد شباب في الشمال المغربي وخصوصا بمدينة طنجة تنظيم مسابقات بين الأحياء وتخصيص جوائز لأجمل حي.

وفي المقابل، تمتاز مدن صغيرة مثل شفشاون وأصيلة والعرائش بهذا النوع من السلوك ويعمل سكانها على تنظيف وتجميل أزقتهم والحرص على تبييضها بالجير وتزيينها بالنِّيلا (ملون طبيعي أزرق).

من زخاريف الأسقف الخشبية بالمدينة العتيقة  (الجزيرة)

قلب الرباط النابض  
تتشابك أزقة المدنية العتيقة بالرباط وتمتد أسواقها الرئيسة النابضة بالحياة وتنتصب شاهدة وتقتطع من الرباط هامشا يحفظ التاريخ ويمد تأثيره للأجيال اللاحقة.

وتبقى المدينة وفية للأحداث والأغيار وحافظة للتراث بأحيائها الرئيسة من السويقة (تصغير سوق) وسوق السباط وحي سيدي فاتح إلى حي القناصلة والسوق التحتي (السفلي) والملاح والكزا التي تشكل كلها أسواقا رائجة بالمنتجات التقليدية والعصرية.. مثل الجلد والصوف والزرابي (البسط الفاخرة) وكذلك التوابل والمجوهرات، في تنوع وتكامل وتمازج يعطي للمدينة طابعا استثنائيا ويجعلها قبلة للزوار.

تزيين
بالخشب المنقوش مع زخاريف مستوحاة من عمق التراث المغربي غطت سقوف جل أحياء المدينة العتيقة التي زينت بأبواب متشابهة، في حلة فريدة طبعت المكان وحولته إلى تحفة معمارية تعكس إبداع الصانع المغربي وعمق الموروث الأصيل للعمارة المغربية.

ويرى الباحث في تاريخ الرباط هشام الأحرش أن المدن العتيقة كانت دائما المتحف المفتوح الذي يقدم التاريخ عبر حقبه المتعددة، وأن مدينة الرباط تشكل جزءا من العمق الحضاري والتاريخي للمغرب.

ويضيف "عندما نعيد الاعتبار لموروثنا نعيد الاعتبار لذاتنا، والأمم التي لا تلتفت إلى ماضيها تحييه وتعتز به وتستثمره، هي أمم تسحق تاريخها وذاكرتها وهويتها".

مزهريات بداخلها نباتات طبيعية تعلو جدران زنقة الجراري بالمدينة العتيقة  (الجزيرة)

ودعا الأحرش المواطنين كافة للحفاظ على موروث وضعته الإنسانية جمعاء بين أيديهم، في إشارة إلى تصنيف الرباط العتيقة ضمن الموروث الإنساني العالمي.

وتستفيد المدينة العتيقة من تهيئة ملاعب رياضية وبناء مجمع تجاري بالقرب منها ومن الواجهة المطلة على ضفة النهر بحي الملاح وتهيئة سائر الواجهات وتجديد الإنارة العمومية وتبليط الأزقة.

المصدر : الجزيرة