قصة جزائريين تاها أسبوعا في البحر وأنقذتهما باخرة إسبانية

الشابان الجزائريان سيد علي العجوزي وإلياس سنان اللذان نجيا من الموت في رحلة الصيد (الجزيرة)
الشابان الجزائريان سيد علي العجوزي وإلياس سنان اللذان نجيا من الموت في رحلة الصيد (الجزيرة)

إسلام عبد الحي-الجزائر

"خلال أسبوع قضيته على متن قارب صغير في أعالي البحر الأبيض المتوسط بين الموت والحياة زادت سنين عمري عشرة أعوام، وصغرت الدنيا في عيني، بل أصبحت لا تساوي شيئا". هكذا تحدّث سيد علي العجوزي (28 سنة) بعد تعافيه من صدمة التيه مع صديقه إلياس سنان طيلة أسبوع في اليم من دون مؤونة ولا تجهيزات، ونجاته من موت محقق.

وكان الشابان خرجا في رحلة صيد على متن قارب صغير من مرفأ سيدي فرج (غرب العاصمة الجزائرية) متوجهين نحو شاطئ رايس حميدو "لابوانت" (نحو سبعة كيلومترات شرقا) للقاء صديقهما لمرافقتهما في الرحلة، غير أن التيارات المائية سحبتهما، ودخلا منطقة يغطيها ضباب كثيف حجب عنهما الرؤية فتاها وانعزلا عن العالم طيلة أسبوع، وقاربا على الهلاك من شدة العطش والجوع والحر، ودخلا المياه الإقليمية لجزيرة إيبيزا الإسبانية.

سيد علي العجوزي: أدركنا الهلاك وبقينا أسبوعا من دون مؤونة في عرض البحر (الجزيرة)
الرحلة
بدأت رحلة سيد علي العجوزي وصديقه إلياس سنان على زورق صغير ذي محرك بقوة 9.9 أحصنة، غير أن ضبابا كثيفا باغتهما على بعد نحو ميلين (نحو ثلاثة كيلومترات) فحجب عنهما الرؤية ولم يتمكنا من تحديد المسلك المعتاد.

لم يرتبك الشابان في البداية، وظلا ينظران للأمر على أنه طارئ وعابر، واعتبرا أن نظام تحديد المواقع (GPS) الذي بحوزتهما سيساعدهما على العودة إلى اليابسة. ويقول سيد علي "كنا واثقين من العودة، لكن بعد انقطاع الإنترنت بدأ صديقي إلياس يستشعر الخوف".

ولم يتبق للصديقين وقتها من حيلة لتحديد المسار البحري الصحيح إلا الاستعانة بتوجيهات أصحاب البواخر الكبيرة المجهزة بأحدث التقنيات. ويقول سيد "كنا نعتقد أننا سنعثر حتما على باخرة تعيدنا إلى بر الأمان، لكن عدم استجابة ربان سفينة عابرة لنداءات الاستغاثة بعث فينا الذعر والخوف، خاصة لما تكرر ذلك عدة مرات".

ويضيف "في غمرة التيه استجاب ربان باخرة لندائنا ووجهنا نحو المسار الصحيح؛ هذه الخطوة أحيت فينا أمل العودة والنجاة من كابوس أرهقنا طوال النهار، لكن بمجرد تشغيلنا المحرك واستعدادنا للإبحار في الاتجاه المؤدي إلى اليابسة نفد البنزين وتوقف الزورق؛ في تلك اللحظة سيطر علينا الخوف، وتضاءلت آمالنا في بلوغ اليابسة".

سيد علي وإلياس مع مهاجرين غير نظاميين في مركز تجميع المهاجرين بإسبانيا (الجزيرة)

ظلام ورعب
عمّ ظلام الليلة الأولى، ولم يبق إلا نور النجوم وأضواء السفن تتلألأ من بعيد، وظل الشابان يُمنيان النفس بإيجاد مخرج للمأزق الذي وقعا فيه قبل أن ينال منهما التعب ويستسلما للنوم في عرض البحر، ويقول سيدي علي "استيقظنا في الصباح على مشهد مرعب، فكل السفن اختفت وحلت محلها موجات بأحجام مختلفة، وشمس ساطعة تلهب أجسامنا".

ولم يحمل الشابان معهما إلا مؤونة كافية لرحلة صيد يوم واحد فقط، لتبدأ معاناتهما في اليوم الثاني مع الجوع والعطش والتفكير في مصير الموت الذي بدأ يسيطر على عقولهما، ولجأ الاثنان إلى أكل الحلزون العالق أسفل القارب وبعض الكائنات البحرية الشبيهة بالعقارب.

ويضيف سيد علي "من حين لآخر كنا نقفز في البحر ونغوص في أعماقه الباردة للارتواء من مائه رغم الملوحة، وتبريد أجسامنا، وعند الصعود نلف رؤوسنا بالمناشف تفاديا لضربات الشمس الحارة".

ويضيف "تشابهت علينا الأيام، وصرنا نعيش في مرحلة فراغ روحي وذهني رهيبين ثم اهتدينا إلى صناعة شراع للإبحار بالطريقة التقليدية باستعمال قطعة قماش صلب كانت مرمية بالزورق ربطناها بعمود مظلة فاندفع القارب حسب اتجاه الرياح وأبحرنا في مسار حلزوني لم نكن نعرف إلى أي جهة يؤدي".

السفينة التي نقلت سيد علي وإلياس إلى الجزائر (الجزيرة)

الانفراج
أطلق سيدي علي زفيرا عميقا وهو يروي تفاصيل الأحداث المرعبة التي عاشها مع صديقة في عرض البحر، وقال "في اليوم السادس لرحلة التيه غضب البحر واسودت السماء وساء حال الطقس وراح القارب يتمايل بشكل مفزع، فتشبثت بحافة القارب من جهة ورفيقي إلياس من الجهة المقابلة، كي لا ينقلب بنا، ثم نطقت الشهادتين وسلمت أمري لله، ودعوته أن يغفر لي كما لو أنني أودع الحياة".

بعد هدوء البحر، تمدّد إلياس وسيد علي في جوف القارب، واستسلما للنوم بسبب التعب والدوار الذي أصابهما جراء العاصفة، قبل أن يلمحا مؤشرا بحريا يستعين به البحارة لتحديد مسارهم، وتوجها نحوه قبل أن يلمحا مساء اليوم نفسه باخرة كبيرة لوّحا لها طالبين النجدة فاستدارت نحوهما.

وتابع محدثنا "اقتربت السفينة من زورقنا ونزل الربان يسأل عن جنسيتنا والوثائق، ثم قدم لنا طاقم السفينة الطعام والماء والمساعدة النفسية، وأخبرونا أن زورقنا سيبقى مربوطا في سفينتهم مدة ثلاث ساعات حتى وصول المروحية لتنقلنا إلى اليابسة؛ حينها أدركنا أننا في السواحل الإسبانية وتحديدا في مدينة إيبيزا".

وبمجرد وصول المروحية وانتشالهما من البحر كان تفكير سيد علي وإلياس منصبا على كيفية الاتصال بالأهل لتحريرهم من الخوف والحزن، وهو ما حققه لهما طاقم الطائرة الذي عاملهما بطريقة إنسانية وراقية، وفق ما قاله الناجيان قبل أن يتم ترحيلهما إلى الجزائر.

المصدر : الجزيرة