ذات إعاقة بيدها.. تونسية تنجح بالبكالوريا بقلم في فمها

رنيم تحدت كل الصعاب وتحلت بروح إيجابية عالية ساعدتها في النجاح باختبار  الثانوية العامة ( الجزيرة)
رنيم تحدت كل الصعاب وتحلت بروح إيجابية عالية ساعدتها في النجاح باختبار الثانوية العامة ( الجزيرة)

منيرة حجلاوي-تونس

"أنا قوية وقادرة على فعلها.. على هذه الورقة البيضاء أن تتزيّن بزرقة السماء وأن تتراقص بين أسطرها الأحرف والكلمات والأرقام التي علقت بذاكرتي على مدار سنة كاملة" هكذا تُحدّث رنيم نفسها في أول أيام مناظرة بكالوريا (اختبار ختم الدروس الثانوية) لسنة 2019.

وتتنقّل الفتاة لمسافة كيلومتر وحدها على كرسيها المتحرك من منزلها بمنطقة الجديدة بمحافظة منوبة شمالي تونس إلى المعهد بكل ثقة، عند الباب تودع والدتها بابتسامتها العريضة البريئة لتستقبلها في الخارج وعلى طول الطريق تحيات المارين الذين يغدقونها بمشاعر الحب والاحترام.

إعاقة ولكن..
رنيم السهيلي شابة تختلف عن كل بنات وأبناء جيلها -رافقتها منذ ولادتها إعاقتها الجسدية التي تمنعها من تحريك يديها وقدميها- ولكنها لم تستسلم لإعاقتها وخلقت من ضعفها قوة جبارة لتسلّق سلّم النجاح.

رنيم ظلت تكتب بقلم في فمها بجميع مراحل دراستها  (الجزيرة)

واكتشفت رنيم منذ كانت في سن الخامسة من العمر قدرتها على الكتابة عبر إمساك القلم بفمها، فعلمت أنها هبة من الله وتعودت خلال سنوات الدراسة في المراحل الابتدائية والإعدادية والثانوية على الكتابة بتلك الطريقة بكل سلاسة وإلى الارتقاء من سنة إلى أخرى.

وتقول للجزيرة نت "تقبلتُ الأمر بطريقة لا يتخيلها أي إنسان واعتبرتُ إعاقتي أمرا عاديا ولجأتُ منذ صغري إلى الخروج من المنزل، فأنا اجتماعية لأبعد الحدود ومحبة للحياة ولا أعترف بشعور الوحدة".

ومرّت رنيم (19 سنة) بلحظات ضعف قليلة، لكنها سرعان ما تتمالك نفسها وتتغلّب على مشاعر الحزن والفشل التي تحاول التسلل إلى قلبها متسلحة بروح المقاومة التي تتحلى بها.

سند العائلة
وجدت رنيم في عائلتها السند القوي الذي تعتمد عليه ويد العون التي تساعدها كل حين، فوالدها الذي يبدع بكلماته الطريفة وطريقته الخاصة في تشجيعها ووالدتها التي تحمّلت كل شيء واهتمت بكل تفاصيل ابنتها ولا تزال، -تطعم وتسقي وتغيّر الملابس وتدرّس- كلها عوامل ساعدتها في الصمود والتحدي.

وتقول سعيدة -والدة رنيم- "فرحتي لا توصف بنجاح ابنتي وأعتبرها أول فرحة حقيقية في حياتي أنستني كل تعبي.. رنيم حنونة وخلوقة وصبورة وابنتي تعتبر نفسها كاملة لا ينقصها شيء".

وفي المقابل، لم تخف سعيدة قلقها من الصعوبات التي تنتظر رنيم في التنقل خارج منطقتها للدراسة الجامعية جراء عدم توفر وسائل نقل عمومي خاصة بمتميزي الإعاقة.

والدة رنيم تشكو انعدام وسائل النقل الخاصة بحاملي الإعاقة (الجزيرة)

وتعرضت رنيم لأكبر مشكل حين تعطب كرسيها المتحرك مرّتين مما حرمها من الدراسة لمدة أشهر، غير أنها تعتبر نفسها محظوظة بنظرة المجتمع لها لا باعتبارها حاملة إعاقة بل متميزة بها نظرا إلى طبيعة المحيط المسالم والإيجابي الذي تعيش فيه والذي لم تلمس فيه نظرات الشفقة أو السخرية.

شهادات
تقول أستاذة مادة الفلسفة لمياء بن وهيبة التي تدرس عليها رنيم إن تلميذتها تثق بنفسها وبقدراتها وليس لديها أي إشكال فيما يتعلق بإعاقتها وأنها منبهرة بتقبلها للأمر وتعايشها معه وتصالحها مع ذاتها في هذه المسألة.

وتتمتع رنيم بذكاء كبير وروح معطاءة ولا تستسلم لليأس وساعدت أستاذتها في التعامل معها مثل أي تلميذ طبيعي، فكانت النتيجة إيجابية وكُللت مجهوداتها بالنجاح في يوليو/تموز الجاري في أهم اختبار تعليمي في تونس بحصولها على شهادة البكالوريا.

أستاذ مادة اللغة العربية عادل عبد القوي تعلم من رنيم درسا في العزيمة والثبات والإصرار على النجاح إلا أن ما يحز في نفسه هو تقصير الجانب الرسمي للدولة في الاحتفاء بالإنجاز الذي حققته التلميذة التي استعملت فمها للكتابة بدلا عن يديها وحققت ما لم يحقّقه من يتمتعون بصحة سليمة.

نموذج الإرادة
يعتبر قيّم عام (نائب مدير) معهد ابن عرفة رضا الدريدي رنيم نموذجا في الإرادة والاجتهاد وقال إنها تغلبت على عديد الصعوبات وبكرسيها المتحرك وأنها تحدت برد وأمطار الشتاء وحرارة الصيف لتصل إلى مبتغاها بابتسامة متفائلة حالمة، معربا عن أمله في أن تولي الدولة مزيدا من الاهتمام برنيم وبذوي الاحتياجات الخاصة بصورة عامة لتشجيعهم على الاستمرار والتميز.

 رنيم: أنا اجتماعية ومحبة للحياة  (الجزيرة)

زميلها وصديقها المقرب ضياء ميهوب رحّب بالحديث عن صديقته، وقال إنها الفتاة المحاربة والطموحة والموهوبة التي تكتب وترسم وتتميز بعشقها للآخرين في المعهد وخارجه وبتشجيعهم على تحقيق أحلامهم وتبعث فيهم الأمل والإيجابية.

وتحلم رنيم بالتخصص في مجال الصحافة وتقول إنه الأقرب إلى قلبها وإنها ستعمل على تحقيق حلمها وتحويله إلى حقيقة، رافعةً شعار "عدم إهدار الوقت في البكاء والوقوف على الأطلال".

المصدر : الجزيرة