صناعة الفخار بالقامشلي.. حرفة قديمة تصارع الاندثار

أنتوان ميساك لا زال يمارس مهنة الأجداد ويحافظ عليها من الاندثار (الجزيرة)
أنتوان ميساك لا زال يمارس مهنة الأجداد ويحافظ عليها من الاندثار (الجزيرة)

لامار أركندي-القامشلي

تتصارع الأنامل المشققة للعم ميساك أنترانيك (ثمانون عاما) مع عبقريته في تشكيل الطين، فيجسد أشكالا فائقة الجمال، وتحفا فخارية وخزفيات بألوان زاهية تحمل تشكيلات متناسقة.
 
وترسم أصابع العم ميساك فنا ضاربا في الماضي، ومتجذرا في تاريخ عائلته منذ ما يقارب أربعمئة عام، ناقلة إرثا ثمينا وتكشف عن مواهب امتهنها الأبناء والأحفاد، ومثلت مصدر رزقهم في كل مكان عاشوا فيه، قبل أن ينتهي بهم المطاف في مدينة القامشلي (شمال شرقي سوريا) قبل ثمانين عاما.
 
وتمتاز عائلة العم ميساك بكونها الوحيدة التي حافظت على مزاولة هذه الحرفة في المدينة وحمايتها من الانقراض.

شغف المهنة
يقضي ميساك مع ابنه أنتون ساعات طويلة لا تعرف الكلل والملل داخل ورشته الطينية البدائية، التي يوقن من يدخلها لأول مرة أن الزمن توقف مئات السنين بين زوايا وجدران تلك الرقعة الصغيرة التي قضى فيها الأب طفولته وشبابه وخريف عمره.

صناعة الأواني الفخارية تبدأ بجمع الطين وتنتهي بمرحلة التزيين (الجزيرة)

ويعتلي ميساك منصة الدولاب الدائري، ويتحكم في العجينة لتصبح طيعة بين يديه المجهدتين، ويديرها كيفما شاء في كل اتجاه في عملية سيطرة مذهلة، وهو يلفها بأطراف أصابعه في كل اتجاه، اعتمادا على حنكته في هذا الفن منذ أن كان في العاشرة من العمر.

ويقول أنتون ميساك بيدروسيان (أربعون عاما) إن صناعة الفخار تبدأ بانتقاء نوعية الطين (البيرون) -المادة الأساسية– وتتواصل بغربلتها بغربال ناعم، ووضعها عدة أيام داخل أحواض معدّة للغرض، وتليها مرحلة العجن بالدعس عليها بالأقدام بقوة، ومزجها بقليل من الماء للحصول على عجينة متماسكة وطرية في الوقت نفسه.

ويضيف أنه يجري في مرحلة لاحقة تقطيع الطين وتجهيزه بفركه باليدين بعد نشره على سطح القرص المعدني الأملس لآلة "المرجل"، وتدويره على دولاب مصنوع من الحجر ليتناغم مع حركة الرجلين، وتتحول في نهاية المطاف إلى مزهريات وأوانٍ وأطباق وحصالات نقود، وأشكال أخرى مختلفة. 

مرحلة الفرن
توضع الأواني الفخارية في المرحلة الأخيرة من صناعتها داخل فرن ناري مصنوع من الطين الجاف يعرف "بالقمائن"، تبدأ فيه درجات الحرارة من ستين درجة، وترتفع تدريجيا لتصل إلى 1200 درجة، ويترك الفرن مغلقا لمدة يوم، ويتم تزيين الأواني الفخارية بعد إخراجها من الفرن وتبريدها بأصباغ طبيعية، وتزركش الرسوم الأواني الخاصة بالطهي والمزهريات والتماثيل وأواني حفظ الأغذية وتبريد الماء.

ويحز في قلب العم ميساك توجه المهنة وغيرها من المهن الأخرى إلى الزوال، ودعا إلى التمسك بتراث الآباء والأجداد، التي لم يعد يمتهنها في المدينة غير عائلته، ويقول إنه يصنع أنواعا مختلفة من الفخار كالبورسلان والخزف الحجري المتسم بصلابته وألوانه البنية والحمراء والرمادية والبيضاء والسوداء.

 عائلة أنترانيك حافظت على مهنة صناعة الفخار منذ أربعمئة عام  (الجزيرة)

ويعلل أسباب ظهور صناعة الفخار في الماضي إلى افتقار الناس قديما للأدوات المنزلية الضرورية، وقال إن هذه المهنة سدت حاجتهم الضرورية في حفظ وطهي الطعام وتخزين المياه والزيوت والعسل، كما استخدمت تلك الأواني في حفظ أدوية الطب الشعبي.

فن وتراث
يتهافت زبائن ورشة ميساك الراغبين في شراء الأدوات الجميلة ذات الأشكال القديمة؛ مدفوعين برغبة في استحضار أشياء من الماضي الجميل كانت تعبق بها أسواق المدينة القديمة.

ولا زالت مدينة القامشلي تزخر بالعديد من المهن التراثية والحرف الشعبية، وتعد صناعة الفخار هي الأقدم والأكثر شعبية بينها، وذلك رغم تطور الأدوات والآلات المصنعة للفخار.

المصدر : الجزيرة