شاهد- "التبسيل" في عُمان.. عندما تُطهى ثمار النخيل

مازن المحفوظي-ولاية بديّة/عُمان

تشهد العديد من ولايات شمال سلطنة عمان في هذا الوقت من السنة ظاهرة اجتماعية واقتصادية مميزة، تتشارك فيها العائلات العمانية بمختلف أطيافها، وتعرف محليا "بالتبسيل"، وهي عملية طهي بسور النخيل (البسر هي ثمرة النخلة بعد اكتمال لونها الأصفر قبل أن تتحول إلى تمر، وتسمى في بعض البلاد البلح)، ثم تجفيفها تحت أشعة الشمس لتباع في الأسواق، أو تصدر إلى الخارج.

وحافظ العمانيون على هذه الحرفة منذ قديم الزمان وتوارثتها الأجيال، وتبدأ عادة في أواخر يونيو/حزيران حتى منتصف يوليو/تموز، وتسمى هذه الفترة محليا "القيض"، وهي فترة حصاد النخيل، وتتركز في المحافظات التي ينتشر فيها النخيل؛ كمحافظات شمال وجنوب الباطنة والداخلية وشمال وجنوب الشرقية.

وتبدأ العملية بعد الفجر، حين يتم قطع عذوق النخيل، ثم إزالة البسور من العذوق وتصفيتها من الرطب والشوائب، بحيث تصبح البسور جاهزة للطبخ في مراجل ضخمة.

وبعد طبخها، الذي يستغرق بين 15 و30 دقيقة، تنقل إلى مكان فسيح منبسط يسمى "المسطاح"، لمدة تتراوح بين ثلاثة وستة أيام، حسب درجة حرارة الشمس والرطوبة لتجفيفها، ثم تنقل بعد جفافها إلى المخازن، وتباع في الأسواق، أو تصدر للخارج.

صناعة وإنتاج البلح حرفة تعود إلى زمن قديم في سلطنة عمان (الجزيرة نت)

ويسمى المنتج بعد جفافه "الفاغور" في بعض الولايات و"البسر" في ولايات أخرى، وتبلغ قيمة الطن الواحد من البسر المجفف الجيد 974 دولارا، ويقل السعر عن ذلك كلما قلت الجودة.

مكانة التبسيل
وذكر التبسيل على لسان عدد من الشخصيات التاريخية المهمة، كما ورد في مختلف المصادر والمراجع، حيث قال الزعيم الليبي سليمان باشا الباروني عندما عمل مستشارا لدى الإمام محمد الخليلي في عمان (1924-1940م) عن التبسيل: "وأكثر حاصلات البلاد من تمر النخيل، وهي تصدره إلى الخارج، ومن أصنافه المختصة بها المبسلي، وهو يُرسل إلى الهند ولا يبقى منه في البلاد شيء، ويعده الهنود طرفة يتفاخرون بتقديمها على موائدهم خصوصا أيام الأعياد والمواسم".

ولأهمية نخلة المبسلي ووفرة إنتاجها ومردودها الغذائي والمالي عزم على غرسها الإمام قيد الأرض سيف بن سلطان اليعربي -أحد أشهر أئمة عمان- في ربوع البلاد.

وتغنى الشعراء العمانيون في قصائدهم بنخلة المبسلي ومكانتها البارزة، وقال الشيخ الشاعر أبو يحيى عبد الله بن سليمان بن عبد الله النبهاني النزوي في إحدى قصائده عن أصناف النخيل وفضائلها:

والمَبْسِليُّ فلستُ أنسى ذكره       
فهو الكريم فلا يُعاب ولا يُذمْ

في كل عام لا يزال على الورى       
يَهمي ويُمطرُ من فضائلهِ دِيَمْ

كم مركبٍ غصّتْ بهِ أرجاؤهُ       
فغدا يدوسُ البحر إعجابًا أتمْ

وَغَدَتْ لهُ الأرجـالُ تحملُ فضله       
في كل أقطار الأعاربِ والعجـمْ

تغطي واحات نخيل المبسلي مساحات واسعة من ولاية بدية (الجزيرة نت)

أجود الأنواع
ولعل أبرز الولايات التي تشتهر بحرفة التبسيل ولاية بديّة بمحافظة شمال الشرقية التي اتخذت من شجرة المبسلي شعارا لها، نظرا لجودة منتجاتها منه ووفرته، حيث تغطي أرجاء واسعة من الولاية، ولها عوائد اقتصادية وفيرة نتيجة التصدير للخارج، خاصة الهند.

وقد ذكر القنصل السياسي الإنجليزي المؤرخ لوريمر في موسوعة "السجل التاريخي للخليج وعُمان وأواسط الجزيرة العربية" عن جودة إنتاج بدية من البسور "وتنتج بدية أغلى أنواع التمر في عمان، أغلبه من نوع المبسلي الذي يصدر إلى بومباي عن طريق صور".

وعندما كتب الجغرافي البريطاني تشالز كول عن رحلته لولاية بدية أواخر نوفمبر/تشرين الثاني 1845 في كتابه "أعمال الجمعية الجغرافية لبومباي"، ذكر أن هذا المكان (يقصد ولاية بدية) هو الذي يأتي منه التمر الجاف (البسر بعد تجفيفه) الذي يؤكل في الهند، وكانت القوافل من خمسمئة إلى ستمئة جمل تحمل فقط التمر الجاف إلى صور يوميا في موسم التمر ليشحن إلى الهند. وهذه التجارة تجعل بدية من أغنى المناطق في عمان باستثناء مسقط، والتمر الذي ينتج في أي مكان آخر أقل قيمة ويستخدم للاستهلاك المحلي.

ويقول الستيني محمـد بن بدر الحجري (من ولاية بدية ويمتلك مزارع وبساتين نخيل المبسلي) للجزيرة نت إنه يعمل في إنتاج البسور المجففة منذ أربعين عاما، وإن تجارة البسور ذات ربح كبير، خاصة في الزمن الماضي، حيث كان الأهالي يعتمدون عليها بشكل كبير، وتخرج عشرات القوافل التجارية ومئات الإبل من ولاية بدية حاملة كميات كبيرة من البسور المجففة متجهة إلى مدينة صور شرقا لتصديرها وبيعها في الهند والدول الأخرى.

ويحدثنا الحجري عن والده التاجر بدر بن هلال الحجري رحمه الله، الذي كان يسافر بواسطة السفن البحرية إلى الهند حاملا معه البسور، ويعرضها للتجار الهنود والأسواق الهندية فيبيعها، ويرجع من هناك حاملا معه المنتجات الهندية من الملابس والأقمشة والعطور والأرز والتوابل وغيرها من المنتجات، حتى توفي في إحدى جولاته التجارية مطلع الستينيات في منطقة الخليج ودفن في قطر.

المصدر : الجزيرة