العيد الصغير بالمدينة الحمراء.. قنطرة الصغار إلى عالم الكبار

العيد الصغير بالمدينة الحمراء.. قنطرة الصغار إلى عالم الكبار

عبد الغني بلوط-مراكش

وسط دكانه المعروف بسوق "السماطة" في البلدة القديمة لمدينة مراكش، يستقبل أحمد عيسى زبائنه بابتسامته المعهودة، ويساعدهم في اختيار أحذية العيد بكل خبرة التاجر وحنكته.

وما إن يودع زبونا حتى يستقبل آخر، ففي مناسبة عيد الفطر تنشط الحركة التجارية ويقبل المواطنون على شراء الملابس والأحذية الجديدة، خاصة التقليدية منها.

 يقول التاجر أحمد للجزيرة نت "لا يستقيم الاحتفال بالعيد لدى العديد من الأسر المراكشية بدون بلغة (حذاء تقليدي) رجالية أو نسائية، ويفرض ذلك اللباس التقليدي نفسه الذي هو عبارة عن جلباب أو قفطان أو غيرهما".

أجواء خاصة
تعيش العائلات في المدينة الحمراء التاريخية أجواء خاصة احتفالا "بالعيد الصغير" (عيد الفطر)، فبعد شهر من الصيام والقيام في المساجد المنتشرة في المدينة وأحيائها، تحرص الأمهات والآباء على أن يمر هذا العيد في أبهى حلة.

فبالإضافة إلى إعداد أطعمة العيد وحلوياتها المشهورة، تعمل هذه الأسر على شراء ملابس العيد، وتتفنن في أن يصير كل طفل مثل أي فرد له شأن في الأسرة الصغيرة أو الكبيرة، حتى تبدو المناسبة قنطرة للصغار إلى عالم الكبار.

ويعلق التاجر أحمد وهو يعيد ترتيب دكانه بعد إتمام تلبية طلب أحد الآباء، بالقول "هي مناسبة لإدخال الفرحة على الأطفال ومنحهم الشعور الجميل بانتمائهم إلى عالم الكبار في شقه الاحتفالي".

غير أن الباحث في علم النفس الاجتماعي الدكتور مصطفى السعليتي يرى في حديث للجزيرة نت أن للعيد رمزية اجتماعية مميزة لدى الأسر المراكشية، تتجلى في حرصهم على اللباس التقليدي وما يرافقه من طقوس، خاصة بالنسبة للأطفال.

إقبال كبير على الملابس التقليدية بمناسبة عيد الفطر في مدينة مراكش (الجزيرة)

 

عادة قديمة
وبمناسبة العيد يحافظ عدد من التجار على عادة قديمة، وهي أن يحمل رب الأسرة أنواعا عديدة من الأحذية بقياسات مختلفة إلى المنزل، ليختار كل فرد من الأسرة ما يناسبه.

يقول التاجر أحمد إن "مناسبة العيد فرصة لتثمين الثقة بين الناس، ومن ذلك بين التجار وزبائنهم، وتوفر هذه العادة وقت الخروج للتسوق وتقي البعض من عناء الازدحام ومشقة التجوال بين الدكاكين".

ويبرز "أن العيد في المدينة الحمراء يتيح أيضا تبادل الهدايا بين الأهل والأقارب والجيران، ويقوي الأواصر الاجتماعية".

كسوة العيد
ليس كل الأسر في المدينة قادرة على شراء ملابس العيد الجديدة، منهم من يستعمل ملابس نظيفة، ومنهم من يقبل هدايا العيد من جمعيات عاملة في المجال.

ويشرح رئيس جمعية "رفقاء الخير" يوسف أنزيد للجزيرة نت أن "كسوة العيد" سنة حميدة تجتهد عدد من جمعيات المدينة على الحفاظ عليها لمشاركة فرحة العيد.

وبينما تعمل هذه الجمعية على أداء مبالغ مالية لأفراد يتم اختيارهم بعناية، تعمل جمعية "لنعمل الخير" على اصطحاب عدد من الأطفال الموجودين في مؤسسات الرعاية الاجتماعية أو المستشفيات لاختيار ملابس في جولة مشوقة في الأسواق القديمة.

الأطفال حاضرون بقوة في احتفالات عيد الفطر بالمدينة الحمراء (الجزيرة)

صباح العيد
في ساعة مبكرة من صباح يوم العيد، يخرج أهل مراكش نساء ورجالا وأطفالا إلى المصليات والمساجد لأداء صلاة الصلاة، ويفضل الكثير منهم الذهاب مشيا على الأقدام، في حين يستعمل آخرون وسائل النقل العمومية أو الخاصة.

ما لا تخطئه العين في ذلك الصباح، هو الحضور الكثيف للون الأبيض. كما يلفت المتأمل في المشهد العام حضور الأطفال في مصليات العيد بلباسهم التقليدي وأحذيتهم المناسبة.

ويربط الأستاذ بجامعة القاضي عياض في مراكش هذا الأمر من وجهة نظر اجتماعية بسعي المجتمع إلى ترسيخ ثقافة الاحتفال والتشبث بالهوية في مفهومها العام.

تقوية الروابط
يمشي كل طفل مزهوا بما يلبس، قبل أن ينخرط بكل حبور في الصف لأداء الصلاة وسماع خطبة العيد مع الحاضرين. كل مظاهر الفرحة تظهر العيد كأنه تواطؤ على الفرحة، وتوافق على تغيير نظرة الناس للأحداث وللأشياء، على حد تعبير الدكتور السعليتي.

ويؤكد هذا الأكاديمي أن العيد يقوي الرابط الاجتماعي والأسري وأيضا العاطفي بين الأفراد، مشيرا إلى أنه قبل عقود لمّا كان اللباس التقليدي هو السائد، كان الإقبال على اللباس العصري أيام العيد، لكن الصورة تبدو معكوسة في وقتنا الراهن.

ويبرز أن للعيد رسالة تربوية تقاوم مظاهر العولمة التي باتت تهيمن على حياة الناس، وبه يسعى المجتمع إلى الحفاظ على مكونات الهوية الثقافية والدينية والاجتماعية، ونقلها عبر الأجيال.

صلة الأرحام
وينقل العيد الصغير الناس من برودة وزيف "العلاقات الافتراضية" إلى حرارة العلاقات الواقعية وشحناتها العاطفية الإيجابية، يتأثر بذلك الصغير والكبير كما يوضح السعليتي.

وحتى يتم استغلال مناسبة العيد، لا يخلو كل بيت في مراكش من الزينة، فأهل البيت يستقبل زواره بكل ما يليق بالمناسبة من نظافة وجمال وحسن ترحاب، وللأطفال مكانة خاصة في كل زيارة، حيث يسارع أقرباؤهم إلى تمكينهم من "العيدية" التي باتت تقليدا لا يمكن أن يتجاهله أحد، كما يقول التاجر أحمد.

يستمر التزاور في المدينة لمدة ثلاثة أيام، لكن ذكرى العيد تبقى راسخة في ذهن كل طفل عاش طقوسه الجميلة بكل تفاصيلها، أملا بأن يستقبل عيدا جديدا يمنحه فرصة الانتماء، يختم الأكاديمي السعليتي.

المصدر : الجزيرة