صدقة المقابر أبرز عادات العيد بجنوب تونس

تأخذ نقود الصدقة من على القبر في جنوب تونس (الجزيرة)
تأخذ نقود الصدقة من على القبر في جنوب تونس (الجزيرة)

حياة بن هلال-تونس

في آخر يوم من شهر رمضان وقبل أن ترسل خيوط الشمس أشعتها يوم عيد الفطر المبارك إلى موعد صلاة العيد، يتوافد الناس في الجنوب التونسي من كل صوب وحدب على المقابر المجاورة قصد زيارة قبور ذويهم المتوفين بنية الدعاء لهم وعربون ذكرى بينهم في يوم سعيد.

يصل العشرات نسوة ورجالا إلى المقبرة قبل شروق الشمس فيتبادلون التحية والتهاني بالعيد ومن ثم يتوجه كل منهم إلى قبر قريبه المتوفى، فيخيم الصمت والخشوع على المكان إلا من بعض تمتمات الدعاء أو قراءة القرآن.

يؤمن السكان هنا أن الصدقة لا بد أن تكون سرية قدر المستطاع ابتعادا عن الرياء والتكبر، فضلا عن حرصهم على عدم إحراج الفقير بإعطائه صدقة أمام الملأ أو حتى بينه وبين المتصدق، فيختارون جلب ما تيسر من النقود كل حسب مقدرته ووضعها على القبور فيأخذها المحتاج دون حرج حال مغادرتهم المقبرة.

خديجة تسكب ماء وتضع شعيرا للعصافير على القبر (الجزيرة)

العمة خديجة أتت من القرية المجاورة خصيصا لتزور والدتها التي توفيت مؤخرا، جلست القرفصاء قرب قبرها وأشعلت موقدا وضعت فيه بخورا وبدأت تقرأ فاتحة الكتاب. تقول للجزيرة نت "يجب ألا ينسى المرء ذويه الموتى رحمهم الله في الأيام المباركة وخير ما يفعله التصدق على أرواحهم".

ليس بعيدا عنها، يقف العم أبو بكر يدعو لوالده ولجميع الأموات، ويدخل يده في جيبه فيضع بعض الدنانير على القبر ويقفل راجعا يسرع الخطى إلى الجامع لأداء صلاة العيد.

يخيم الدعاء والعطاء على المكان في لحظات يقترب فيها الزوار من الخالق أكثر بالدعاء والاستغفار والصدقة، فقد أزاحت قوة الإيمان بالله وبالقضاء والقدر واليوم الآخر وطأة الحزن التي كانت مخيمة على المكان.

جميع القبور تقريبا وضعت عليها صحون صغيرة مخصصة للماء والشعير (مخصص للعصافير) ونقود الصدقة، حيث توضع النقود بسرية تامة وتأخذ كذلك.

قرأ الحاج محمد ما تيسر من القرآن على قبر ابنه ثم جلس ليضع بعض الدنانير في المكان المخصص لها بحذر كبير، يقول للجزيرة نت "لا تقبل الصدقة إلا إذا ما كانت سرا، وهذه الطريقة مجدية للغاية فلا يجد المحتاج حرجا في أخذها".

يضع الزوار نقودا على القبور بمثابة صدقة في السر قصد عدم إحراج المحتاج (الجزيرة)

غادر المكان دون أن يلتفت وراءه، وما هي إلا لحظات حتى عقبته امرأة بثياب رثة وملامح نال منها التعب مناله، بدأت تجول بين القبور علها تجد ما يسد حاجتها، تمشي ببطء وتتمتم بأدعية الرحمة والغفران للموتى ثم تجلس وتأخذ بعض النقود التي تركها الزوار على القبور دون أن ينتبه لها أحد.

تحدثت للجزيرة نت إبان خروجها من المقبرة عن مدى سعادتها بتلك الطريقة المعتمدة للصدقة، تقول "أنا أرملة وأعيل ثلاثة أطفال وأستحيي أن أتسول أو أطلب عونا من أحد، آتي إلى هنا علي أجد بعض الدنانير التي أشتري بها لعبا لأطفالي يوم العيد مثل لداتهم دون حرج من أحد، والله لا يضيع أجر المحسنين".

في الناحية الأخرى من المقبرة، تعطي أمهات أطفالهن شعيرا أو قمحا لنثره بين القبور وصب المياه في أوان صغيرة للعصافير، فهي عادة يحرص الأهالي هنا على المحافظة عليها قصد غرس روح الصدقة وحب الخير لدى صغارهم.

يصطحب بعض الزوار أطفالهم إلى المقبرة لأسباب عدة، تقول عائشة أم لطفلين "اصطحبهما للمقبرة ليتعلما أن الحياة زائلة وأن الخير باق وأغرس فيهما حب الخير". وللأطفال أيضا نصيبهم من النقود وبعض الشوكولا التي يأتي بها الزوار خصيصا لهم.

طريقة التصدق هذه عادة قديمة لم يتخل عنها سكان المنطقة، فقد توارثوها أبا عن جد إيمانا منهم بقيمتها.

المصدر : الجزيرة