الكعك بالتقسيط.. نار الأسعار تعيد المصريين إلى أفران العيد

ارتفاع الأسعار أدى إلى كساد كبير في سوق حلويات العيد (الجزيرة)
ارتفاع الأسعار أدى إلى كساد كبير في سوق حلويات العيد (الجزيرة)

عبد الكريم سليم-القاهرة

بعد جولة سريعة لنور وكمال في محلات الحلويات بحي الهرم (غرب القاهرة)، اتخذ كلا منهما قرارا مختلفا عن الآخر.

نور قرر إلغاء فكرة شراء علبة كعك لأسرته، في حين أصر كمال على أن تقوم زوجته بإعداد الكعك منزليا، وتسويته في فرن للمخبوزات بالمنطقة الشعبية التي يقطنها، بعدما كان الاختيار المتوافق عليه مع زوجته في الأعوام الماضية، هو تفضيل راحتها وشراء الجاهز.

صدمة السعر المرتفع كانت وراء قراري نور وكمال -الزميلين بهيئة النظافة والتجميل في محافظة الجيزة- إذ وجدا أن علبة كعك مناسبة لأسرة متوسطة، ستلتهم جانبا كبيرا من الراتب، فضلا عن أن فكرة التقسيط بحد ذاتها تعد "استدانة لشراء شيء غير حيوي".

يُجمع الرجلان على أن التقسيط على ثلاثة أشهر سيؤثر على دخلهم المحدود لارتفاع الأقساط المطلوبة شهريا، و"المرتبات تذهب لبنود محددة ولا تحتمل انتقاصا".

ومثل نور وكمال، هناك ملايين المصريين الذين فزعوا من الأسعار؛ فعزفوا عن شراء كعك جاهز من محلات الحلوى.

عاد المصريون للكعك المنزلي مجددا بعد ارتفاع الأسعار (الجزيرة)

 

عودة للأفران
بدوره، قال حسام -موظف بشركة خاصة- إن تكاليف عمل كيلو الكعك منزليا تقدر بنحو 250 جنيها (الدولار نحو 17 جنيها) أي نصف ما يباع بالمحلات، كما اكتشف ميزات أخرى لعمل الكعك بالمنزل بخلاف التوفير، وهي اجتماع الأسرة أثناء خبز الكعك وبهجة طقوسه.

ومثلت طقوس كعك العيد مصدر فرح للمصريين عبر عقود، ففي الريف كان الأهالي يفضلون عملها منزليا بالكامل في أفران بدائية داخل المنازل، بينما كان أهل المدن يكتفون بتجهيزها للتسوية، ثم يرسلونها للأفران بالمنطقة مقابل مبلغ بسيط.

وفي إحدى قرى محافظة أسيوط (جنوب القاهرة) جلست إيمان -وهي مدرسة- أمام فرن من الصاج تجهز كعك العيد والبسكويت، مستعيدة ذكريات الطفولة حينما كانت تجلس طفلة إلى جانب أمها وهي تعد الكعك.

اشترت إيمان نحو سبعة كيلوجرامات من الدقيق بـ75 جنيها، وبأقل من مئتي جنيه اشترت السكر والزبدة والسمن، ونجحت في تسوية عدة كيلوغرامات من الكعك بالسكر، وآخر من نوع "المبسوس" بالسمن البلدي، وغريبة، وقراقيش (مخبوزات يابسة)، كما جلس حولها أطفالها الثلاثة يلتهمون ما يخرج من الفرن أولا بأول، في وقت تنعش فيه الرؤوس رائحة الكعك المتصاعدة في الأرجاء.

نار الأسعار دفعت المصريين للعودة للأفران مجددا في المنازل والحواري (الجزيرة)














ركود
أما ياسين -فني تكييف- فيرى أن كسوة الأطفال أولى بهذه الأموال التي ستلتهم معظم دخله، موضحا صعوبة شراء الكعك بالتقسيط، لأنه بلا مرتب ثابت يضمن سداده، كما أن الكعك على أي حال ليس أمرا ضروريا وإن كان الأطفال سيشعرون ببعض الحرمان.

قرار ياسين ومعه مصريون آخرون استشعره أصحاب محلات الحلوى هذا العام، وقد دفع الركود شعبتي الحلوى بغرفتي تجارة القاهرة والإسكندرية إلى إطلاق مبادرة لتقسيط علب الحلوى للجمهور أواخر رمضان الحالي.

وذكر عضو مجلس إدارة شعبة الحلوى بغرفة القاهرة التجارية أحمد محسن أن عددا من إدارات سلاسل المحلات الكبرى لجأت لتقسيط الكعك والبسكويت على ثلاثة أشهر.

ولفت عضو مجلس الشعبة في تصريحات صحفية إلى أن مبيعات العيد في العام الماضي كانت سيئة جدا، لأن القدرة الشرائية للمواطنين ضعفت كثيرا، حتى أن بعض التجار اضطروا للبيع بأقل من الأسعار الحقيقية في الموسم الماضى، لتقليل خسائرهم.

وتمر سوق الحلويات بحالة كساد شديد للموسم الثالث على التوالي بسبب التضخم، الذي دفع حركة البيع للتراجع بنسبة 30% وفقا لتصريحات أحمد محسن.

في حين توقع رئيس شعبة الحلوى بغرفة القاهرة التجارية صلاح العبد زيادة الإقبال على الشراء بالتقسيط خلال هذه الأيام التي تسبق العيد مباشرة.

وفي الإسكندرية، التي تعد العاصمة الثانية لمصر، أكدت بيانات شعبة الحلوى بغرفة الإسكندرية تراجع مبيعات الكعك والبسكويت خلال الأعوام الماضية بنسبة تتجاوز 50% تقريبا.

وعلى خطى شعبة حلويات القاهرة، أعلن مسؤولو شعبة الحلوى بالإسكندرية الاستعداد للبيع بنظام التقسيط لموظفي القطاع العام والعاملين بالجهاز الإداري للدولة وأعضاء النقابات والعاملين بالشركات الخاصة.

البعض فضل الإنفاق على ملابس الأطفال في العيد وإلغاء شراء الكعك (الجزيرة)

تقسيط
وتتفاوت الأسعار بين المحلات تفاوتا كبيرا، ويتراوح سعر كيلو الكعك بين أربعين جنيها بمحلات وأفران المناطق الشعبية وأربعمئة جنيه للكيلو بالمحلات المعروفة، أما البيتيفور فسعره بين 45 و250 جنيها للكيلو، ومثله البسكويت والغُريبة.

وأتاحت الشركة المصرية للاتصالات (حكومية) لموظفيها استمارات تمكنهم من شراء كعك العيد بالتقسيط، وتشدد شروط الاستمارة الموزعة على ضرورة التزام الموظف بالسداد حتى في حال تركه الخدمة قبل انتهاء الثلاثة أشهر.

وقال طارق -صاحب محل صغير لبيع الحلويات بالجيزة- إنه لن يلجأ للبيع بالتقسيط، فحال أغلب المصريين اليوم غير مطمئنة لضمان السداد، مؤكدا أنه اضطر إلى تخفيض وزن العلبة من ثلاثة كيلوغرامات إلى كيلو واحد تيسيرا للبيع.

وألمح إلى أن الأسعار ثابتة منذ فترة، وأحيانا يقوم -كباقي التجار- بعمل تخفيضات كبيرة، مضيفا في حديثه للجزيرة نت أنه "يأتي ذلك رغم الزيادات الكبيرة في أسعار مكونات الكعك والبسكويت بنسبة 30%".

وتابع "كما ارتفعت مستلزمات التشغيل من وقود ومياه وحتى العمالة طلبت زيادة مرتباتها بنفس النسبة تقريبا، وبين سندان الارتفاع ومطرقة الركود، هناك ضرورة لتحقيق التوازن لتنشيط البيع".

ونفى عدد من مديري المحلات الذين التقتهم الجزيرة نت إمكانية تقسيط ثمن العلبة بشكل مباشر للزبائن، في حين أكد مسؤول بسلاسل محلات حلويات شهيرة -رفض ذكر اسمه- أن الاتفاق يتم بين إدارة المحل وبين أي من الجهات الحكومية أو الشركات الخاصة، التي تعطي موظفيها أو المتعاملين معها علب الحلويات كنوع من الحافز أو العيدية، أو ترشح لهم المحل ضمن اتفاق واسع، لتصل طلبياتها في بعض الأحيان إلى ما يزيد على مئة ألف جنيه.

المصدر : الجزيرة