"مؤونة صبرة".. مشروع سنية الذي كان حلما وصار حقيقة

لم يرَ مشروع سنية النور إلا عام 2016 (الجزيرة)
لم يرَ مشروع سنية النور إلا عام 2016 (الجزيرة)

منيرة حجلاوي-سيدي بوزيد

بابتسامتها الطفولية التي لا تفارق محياها ودون أن تنسى ارتداء مَيدعتها البرتقالية التي كُتب عليها "صبرة.. مودة وعشرة"، أفرغت سنية محمدي بخفة إناء من القمح الجاف في الآلة الكبيرة الموضوعة في ركن محلها الصغير استعدادا لرحيه (طحنه).

لا يثني الضجيج ولا الغبار الكثيف اللذين تصدرهما الآلة ولا حرارة الطقس الشديدة سنية عن استكمال مهمتها لصنع الكسكسي من طحين القمح.

خلال سنوات دراستها الجامعية في تخصص التجارة الدولية، تقدمت سنية محمدي بفكرة جديدة لمشروع تخرجها "بسيسة (أكلة تونسية) جاهزة" عام 2004، وانطلقت من حاجتها كطالبة في المبيت الداخلي إلى طعام يومي صحي وبأسعار في المتناول.

فكرة المشروع
ولّد موضوع التخرج لدى سنية فكرة لبعث مشروع خاص بها تخوض به غمار سوق الشغل، يرتكز على إحياء وتحديث تقليد اشتهرت به العائلات التونسية، وهو إعداد العولة (المؤونة) المنزلية بمختلف أنواعها ومكوناتها الطبيعية؛ واختارت له من الأسماء "عولة صبرة".

تنحدر سنية (38 سنة) من محافظة سيدي بوزيد وسط غربي تونس، من إحدى العائلات التي اعتادت أن "تعوّل" (تعد) مؤونتها الدّياري (اليدوية الصنع)، وقد تمسكت بهذا الموروث وتعهدت بالمحافظة عليه.

مؤونة صبرة فرضت وجودها بالجودة والابتكار (الجزيرة)

كان النسوة في الماضي يجتمعن في منزل إحداهن ويفترشن لحفا ناصعة البياض تغطي كامل البهو، ووسط الزغاريد والغناء والمرح ورائحة البخور يقمن بإعداد مؤونة عام كامل من الكسكسي والفلفل الأحمر والطماطم المجففة والتوابل والزيتون وغيرها، إذ يعتبر إعداد المؤونة عرسا في ثقافة الأسرة التونسية خاصة في مناطق الجنوب.

لم يرَ مشروع سنية النور إلا عام 2016، وخلال هذه السنوات الثلاث عشرة اشتغلت الفتاة في العديد من الوظائف في مجال الثياب المستعملة وتربية الدجاج وفي القطاع الخاص، جراء عدم حصولها على وظيفة عمومية بعد تخرجها، غير أن فكرة "عولة صبرة" لم تفارق مخيلتها.

تقول للجزيرة نت "حان الوقت، هكذا استفقتُ في أحد صباحات 2016"، أعدت سنية ملفا متكاملا فتم قبوله وتمكنت من الحصول على تمويل بقرابة 22 ألف دينار (حوالي 8 آلاف دولار) من قبل البنك التونسي للتضامن، فكانت أولى الخطوات نحو تحقيق حلمها الذي انتظرته بفارغ الصبر.

التمويل الذاتي
تأسس البنك التونسي للتضامن في 1997، وهو بنك إيداع تشرف عليه وزارة المالية والبنك المركزي التونسيّيْن، ويتولى توفير التمويل وإنشاء مصادر دخل للأفراد الذين لا يملكون الموارد الضرورية أو الضمانات الكافية.

تؤكد سنية "لم أحتر كثيرا في اختيار اسم عولة صبرة لمشروعي، فقد جاء بعد صبر طويل. اعتبره كابنتي الرابعة وأنا أم لثلاث فتيات، كنت أشتكي لوالدتي فكانت تجيبني دائما بأن الصبر مفتاح الفرج".

لم يكن سهلا البدء في سوق الشغل والنجاح فيه، لكن بمساندة عائلتها وزوجها تمكنت سنية من الوقوف على قدميها، وكانت سنة 2017 بداية مرحلة الإنتاج الفعلي، وهي لا تزال متحلية بالحماس والطموح ذاتهما، كما تعمل على تطوير قدراتها بالمشاركة في دورات حول كيفية التعامل مع الحرفاء (الزبائن)وتسويق المنتوج.

سنية محمدي: ما يميز منتوجاتي هو أنها طبيعية مئة بالمئة (الجزيرة)

تجديد وتنويع
ما يميز منتوجات سنية هي أنها طبيعية نابعة من خيرات الأرض، سواء مما تجمعه بنفسها أو تشتريه من الفلاحين، كالحبوب والبذور وحتى الورد الذي تقطفه وتجففه والعسل الطبيعي وغيرها من المواد المختلفة.

وتسعى سنية إلى تجديد منتوجات العولة كتنويع أكلة "البسيسة" التونسية المشهورة والتي يكثر عليها الطلب وصناعة توابل خاصة بأكلات معينة، فيما ظلت وفية لروح الماضي وأجوائه من خلال الأدوات التقليدية التي تستعملها لحفظ أو إعداد المؤونة على غرار قفة الحلفا والغربال.

صعوبات وتضحيات
ومنذ إطلاق مشروعها، واجهت سنية صعوبة في إقناع الزبائن، خاصة أن نساء تونس مشهورات بإعداد مؤونتهن في منازلهن، ولكن "عولة صبرة" فرضت وجودها بالجودة والابتكار، فهي تقوم بتنقية المواد وقليها ورحيها (طحنها) أمام الحرفاء (الزبائن) مما يشجعهم على الشراء والعودة.

ومما ساعدها على تجاوز هذه العقبة، تأسيسها صفحة خاصة بمشروعها على موقع فيسبوك للتعريف به والترويج لمنتوجاتها، كما أنها دائمة الحضور في المعارض والتظاهرات المهتمة بأصحاب المشاريع لتنمية مهاراتها.

قيادية ولا حدود لطموحاتها، طفلها الرابع "عولة صبرة" لا يزال يافعا، وهي تطمح إلى بعث نقطة بيع وعرض لمنتوجاتها تكون منفصلة عن محلها الصغير الحالي الذي تشتغل فيه وتعتمد عليه للصنع والإعداد والبيع.

تعد سنية مثالا يحتذى به للشباب القيادي المبادر الذي لا يبقى مكتوف الأيدي بسبب عدم حصوله على وظيفة في مجال تخصصه، والباحث عن فرص أخرى لتفجير طاقاته.

المصدر : الجزيرة