التوحيشة.. ميزة نابلس في توديع رمضان

عاطف دغلس-نابلس

تعيش نابلس -كبرى مدن شمال الضفة الغربية- طقوسا خاصة في شهر رمضان المبارك، لا تقتصر على تزيين شوارعها ومساجدها وصنع ما لذّ وطاب من الطعام والشراب، وإنما تنفرد بجو روحاني يعكس حقيقة وصفت بها "مدينة السبعين بدعة حسنة".

على طريقتها تختار نابلس -أو "عش العلماء" كما توصف أيضا- توديع شهر رمضان بإحياء ليالي العشر الأواخر منه بـ"التوحيشة" كما يسميها أهل المدينة، وهي تواشيح وترانيم وابتهالات دينية تُرتلُ عبر مكبرات الصوت في المساجد قبيل وقت السحور.

توحيش وتحنين
تتنوع التواشيح الرمضانية بين "التوحيش" و"التحنين"، ويبدأ الموشِّح أو الموشحون بذكر الله عز وجل ثم الصلاة والسلام على النبي محمد عليه السلام بكلمات تحدث وقعا في القلب، ثم يبدأ النشيد.

ويودّع الموشحون في "التوحيش" رمضان بحرقة على رحيل الشهر المبارك، بكلمات منها:

"لا أوحش الله منك يا رمضانا
يا شهر الخيرات والإحسانا
شهر الصيام على الرحيل لقد نوى
يا طول ما تتذكروا رمضانا
يا ترى دوما نعود ونلتقي
في مثل هذا الشهر يا إخوانا"

ويردد الموشحون في "التحنين" كلمات أخرى تحمل طابع الدعاء، كقولهم:

"يا حي يا قيوم لا إله إلا أنت
يا حنَّان يا منَّان.. أجرنا من عذاب النار
يا ذا الجود والإحسان ثبتنا على الإيمان
صلى الله ربنا على النور المبين
أحمد المصطفى سيد العالمين
وعلى آله وصحبه أجمعين
اللهم بجاه الحبيب توفنا مسلمين"

بلا شعور، يتردد الكلام كما لو كان معزوفة مغناة على ألسن الناس بمجرد أن تصدح مكبرات الصوت في مساجد المدينة التي تفوق المئة مسجد، وتتصل مع بعضها بشبكة آذان موحد.

أهل التواشيح
"للتواشيح ناسها"، هذا ما يقوله أهل المدينة رغم أنهم يحفظون وينشدون عن ظهر قلب كلماتها، لكن أمثال المؤذن حسام أبو صالح يحظى بحنجرته الذهبية -مع بعض المؤذنين- بشرف "التوحيش" في الشهر الكريم، وهو يداوم على هذه الحال منذ عقدين من الزمن.

ويضيف أبو صالح للجزيرة نت أنه تعلم "التوحيش" من شيوخ سبقوه تعلموها بدورهم ممن سلفهم من العلماء بالمدينة ولا سيما الذين كانت تربطهم علاقات بالأزهر الشريف، وقال إن التواشيح تعود للدولة الفاطمية ونقلت إلى مدينة نابلس عبر مشايخ كان يتعلمون في مصر.

ويصل أبو صالح ومن يتطوع من الشبان المؤذنين وغيرهم إلى مسجد الحج نمر النابلسي -حيث شبكة الأذان الموحد- قبل أذان الفجر بساعة، ثم ينطلق ولنحو ثلث ساعة بترتيل التواشيح بصوته العذب.

ويعتبر الصوت العذب سلاح الموشِّح في ترتيل التواشيح، ويظل صاحبه مطالبا بالحفاظ عليه بشرب السوائل الدافئة من الزهورات والأعشاب الطبيعية. 

المصدر : الجزيرة