آلاف الزوار "يطوفون" بجامع عقبة بالقيروان وينعشون اقتصادها

صفوف النساء والرجال في صحن جامع عقبة (الجزيرة نت)
صفوف النساء والرجال في صحن جامع عقبة (الجزيرة نت)

ناجح الزغدودي-تونس

على خلاف أيام رمضان، نشطت الحركة مبكرا يوم الجمعة 26 رمضان بمدينة القيروان (وسط تونس) لإحياء أعظم المناسبات الدينية، وأشدها توافدا للزوار، وأوفرها نشاطا تجاريا واجتماعيا.

ويعد جامع عقبة بن نافع مركز ثقل احتفالية "ليلة القدر" ومزارا للآلاف، بوصفه أقدم المساجد بتونس، والذي يحتفظ منذ تأسيسه -سنة خمسية للهجرة على يد عقبة بن نافع الفهري- بمميزات معمارية تختزل حقبا من تاريخ انتشار الإسلام.

وتنقسم أمواج الزائرين إلى طوابير ممتدة؛ أوّلها عند الساحة الخلفية لجامع عقبة، وآخرها بساحة باب الجلادين، وتتفرع بين محلات بيع "المقروض" (أشهر الحلويات التقليدية القيروانية)، والمخابز العتيقة التي تصنع خبزا لذيذا.

وينجذب آخرون إلى محلات سوق الجرابة يفحصون نسيج الحائك الملوّن وخيوطه الحريرية وسجادات الزربية المزركشة بنقوش وزخرفة تحاكي زربية "الكاملة" بنت الشاوش، وهي أول قيروانية تصنع الزربية سنة 1830.

وبين الأزقة والسباطات الزاخرة بالفن المعماري العربي العتيق، يسافر السائحون عبر أمجاد عاصمة الأغالبة التي حفظت الكثير من خصوصياتها الهندسية وعبق التاريخ، وما خطه النحاتون والمعماريون والنجارون والحدادون.

فيمرون على معلم بئر بروطة، ويتسلقون مدرجها المرتفع، على خلاف باقي الآبار المائية في العالم، لمشاهدة الجمل الذي يدير ناعورة خشبية تخرج الماء من قاع البئر التي تدور حولها أساطير شبهتها بماء زمزم بمكة المكرمة.

هذا اليوم الذي توافد فيه نحو عشرين ألف زائر، بحسب تقدير رئيس البلدية، هو هدية نادرة لتجار المدينة العتيقة، لترويج منتجاتهم الكاسدة طوال العام؛ فلا يضيعون أيّة فرصة في كسب الزبائن والأرباح.

صحن جامع عقبة يمتلئ بالمصلين في صلاة التراويح (الجزيرة)

إفطار بنكهة مدفع تاريخي
مع اختفاء قرص الشمس وراء السّور العالي وأبوابه الثمانية، تهدأ الحركة وتشرئب رقاب الصغار والكبار المتناثرين في محيط البرج قرب "الجامع الكبير"، يتأملون ساعاتهم أو هواتفهم، متسائلين عن موعد إطلاق "المدفع".

يرتفع صوت الأطفال في عد تنازلي كأنهم ينتظرون هدية العيد، ويتضاعف صخبهم مع إضاءة مصباح المئذنة الضخمة ذات الهندسة التربيعية الفريدة، فيدب التوتر في قلب مطلق المدفع ليجيب نداء الأطفال المتلهفين. 

لا يكاد المؤذن يدرك التكبيرة الثانية حتى يملأ سماء المدينة رعد مدو يمتد إلى أميال في محيط المدينة، وتطير سحابة دخان تطل على المصلين بصحن الجامع الممتلئ، في حين تعلو صيحة الأطفال من أسفل البرج. 

والمدفع تقليد حافظت عليه مدينة القيروان منذ زمن بعيد، واحتج الأهالي لمحاولة إلغائه بدعوى خطورته بعد حادثة وفاة في إحدى المدن التونسية قبل الثورة، وهو ليس ذلك المدفع العثماني الذي يلقي قذيفته في البحر.

فهذا المدفع عبارة عن كبسولة مشحونة بالبارود اعتاد إطلاقها من أعلى "البريجة" موظف البلدية عادل خليف، الذي ورثها عن والده المسن عبد الوهاب، الذي توفي قبيل رمضان العام الماضي.

افترش الزوّار الساحة الخلفية للجامع لتناول وجبة الإفطار في حلقات متناثرة متفاوتة الكثافة، اطمأنت جميعها إلى سكون المكان وأمنه وسط تمركز أمني في محيط المدينة وتواجد سيارات الإسعاف.

زوار القيروان ينتشرون بساحة جامع عقبة بانتظار موعد الإفطار (الجزيرة)

نفحات برفقة العائلة
أيوب غمودي تونسي ثلاثيني يقيم بفرنسا، كان ضمن حلقة عائلية خلف جدار جامع عقبة، واختار قضاء أيام شهر رمضان مع عائلته بمدينة قرمبالية (محافظة نابل)، وقرروا زيارة القيروان ليشهدوا ليلة القدر.

ويقول أيوب -مازحا- إنه دفع تكاليف السفر نيابة عن جميع أقاربه من أجل "الاستمتاع بالدفء العائلي في هذه المناسبة الدينية التي أكد أن لها نكهة وطعما مميزين عندما تكون مع العائلة.

"عند وصولنا قمنا بجولة وسط المدينة واقتنينا مرطبات المقروض"، كما يقول أيوب للجزيرة نت، مضيفا أن برنامج الزيارة يتضمن الإفطار الجماعي في الهواء الطلق وصلاة التراويح بجامع عقبة، ثم استكشاف المدينة ليلا قبل العودة.

عائلات كثيرة مثل عائلة أيوب افترشت الأرض، وتحلقت حول مائدة الإفطار، منهم من جاء في رحلات منظمة على متن حافلات، ومنهم من جاؤوا في سياراتهم من محافظات سوسة وصفاقس والمنستير وتونس وباجة وغيرها.

أيوب غمودي بصحبة عائلته يتناولون الإفطار في محيط جامع عقبة بالقيروان (الجزيرة)

أما خليل (خمسيني) فقد جاء بمفرده من الجزائر، وأفاد للجزيرة نت بأنه اعتاد زيارة القيروان خلال المناسبات الدينية، ورغب في أن يشارك آلاف المصلين المتوافدين على الجامع نفحات ليلة القدر.

شاركت جمعيات مدنية في جوانب من الاحتفال، مثل ختان الأطفال وتنظيم رحلات إلى المدينة، بينما استقبلت "جمعية التكافل" الزوار بوجبات إفطار عند مدخل المدينة، واستضافت جمعية "مؤسسة القيروان" ضيوفا من إندونيسيا.

خلف أفضل القراء
مع اقتراب موعد صلاة العشاء يشتد وقع الأقدام إلى الصلاة لحجز مكان خلف إمام الجامع ونخبة من الأئمة الذين يتناوبون على إمامة المصلين في صلاة التراويح.

دفع توافد المصلين بأعداد غير مسبوقة هيئة الجامع إلى فرش السجاد بصحن الجامع على خلاف باقي ليالي رمضان الذي فرضه برودة الطقس والتقلبات الجوية، لأول مرة هذا العام.

تغمر المكان نفحات تلاوة القرآن بأصوات التلاوة العذبة لقراء حائزين على جوائز عالمية في تجويد القرآن الكريم، فلا ينقطع معظمهم عن الصلاة والتلاوة والدعاء خلف الأئمة إلى أن يقترب الليل من منتصفه.

عندما يحين دور الوفد الرسمي بإشراف وزير الشؤون الدينية للإشراف على موكب احتفالي، ينصرف السواد الأعظم إلى المرح خارج الجامع، فلا يمكث للمتابعة سوى المعنيين بالمسابقة والتكريم. 

ويتضمن الموكب توزيع الجوائز على المتفوقين في مسابقة حفظ القرآن الكريم التي تنظمها الجمعية القرآنية، ومسامرة دينية، ووصلة من الأناشيد المدحية قدمها المنشد الشاب وليد القهواجي.

سوق العتقة تنتعش بفضل زوار المدينة (الجزيرة)

انتصاف الليل لم يمنع أهالي المدينة وضيوفهم من مواصلة أجواء الاحتفالات، فتجلبهم السوق التجارية المحاذية للسور العظيم، التي تعرض ملابس العيد وألعاب الأطفال وأيضا الملابس القديمة، وأضحت ميزة رمضانية في القيروان.

يتجه النصف الآخر من الناس إلى ساحة مقام الصحابي الجليل "أبو زمعة البلوي" الذي استشهد سنة 34 هجرية في جلولة (ثلاثين كيلومترا غرب القيروان) ودفن جثمانه في موضع القيروان قبل تأسيسها، وتقول روايات إنه حين أدركته الوفاة كان يحتفظ بشعر للرسول عليه الصلاة والسلام.

فتعج الساحة بشتى المعروضات من مأكولات ومثلجات وحبوب الذرة، وتتنافس شركات الهاتف الجوال على بيع شرائح الهواتف مغرية الزبائن بهدايا ومسابقات.

كما يغتنم أصحاب الخيول المناسبة في الحصول على بضعة دنانير مقابل جولة أو صورة تذكارية على صهوة الجواد، أما داخل المقام فتعالت زغاريد النسوة لتخفي بكاء الأطفال وتألمهم من عمليات الختان.

حتى مطلع الفجر
يختار المتشوقون إلى جامع عقبة العودة لحضور صلاة القيام (التهجد) لاغتنام أكثر ما يمكن من النفحات والأجواء الإيمانية في ليلة خير من ألف شهر، متضرعين بالدعاء الجماعي إلى الله لخير الوطن وصلاح المواطنين حتى مطلع الفجر.

وتجول الباقون وسط المدينة بين الأسواق والمقاهي والمطاعم الشعبية التي تزينت لضيوفها لتوفير وجبات الإفطار والسّحور، أما المسافرون القادمون من بعيد فاضطروا للعودة بسبب الإرهاق، مخلفين وراءهم آلاف المحتفلين.

وتعلن ليلة 27 من رمضان عن اقتراب عيد الفطر، الذي تزدان فيه المطابخ القيروانية بكعك العيد، وهي الحلويات المتوارثة مثل المقروض والصمصمة والبقلاوة ومرطبات "الغريبة".

المصدر : الجزيرة