نابل التونسية تتربع على بحر من ذهب "النارنج" الأبيض

أجواء خاصة يعيشها أهالي الوطن القبلي في موسم جني الزهر (غيتي-أرشيف)
أجواء خاصة يعيشها أهالي الوطن القبلي في موسم جني الزهر (غيتي-أرشيف)

محمد علي لطيفي-نابل

في كلّ فصل ربيع، يحتفي أهالي محافظة نابل -إحدى مناطق الوطن القبلي في تونس (حوالي 90 كيلومترا جنوب العاصمة تونس)- بعاداتهم في استخراج "ماء الزّهر" -التسمية المحليّة لأزهار النّارنج في تونس- وزيت "النيرولي" النّادر المستخدم في صناعة أرقى أنواع العطور في العالم.

داخل المعرض الدولي للصناعات التقليدية في هذه المدينة الساحرة، تعمل صوفية بن حميدة، أصيلة عائلة دار شعبان الفهري، بفرز زهرة النارنج البيضاء ذات الرائحة الزكية بعناية ثم تجففها تحت أشعة الشمس، لتصل بعد ذلك إلى مرحلة التقطير بواسطة "القطّار" التقليدي، شأنها شأن ربّات البيوت في المنازل، لاستخراج مياه "الزهر" المخصّصة للاستعمالات اليومية والمنزلية.

قطاف الأزهار البيضاء من شجرة النارنج يبدأ مع حلول مارس/آذار من كل سنة (الجزيرة)

التقطير التقليدي
بتركيز شديد تعمل بعد ذلك الخالة صوفية على وصل غطاء القطّار بأنبوب موصل بقارورة دائرية الشكل ذات عنق طويل تسمّى "فاشكة"، ثم تمسحها بين اللحظة والأخرى بواسطة قطعة مبللة من القماش الأبيض، لامتصاص حرارة الأنبوب الذي يمرّ عبر إناء مملوء بالماء البارد، حيث يتحول البخار المنساب في الأنبوب إلى قطرات تسقط في القارورة حتى تملأها.

تقول صوفية للجزيرة نت مبتسمة، إن ماء الإناء البارد يتم تغييره باستمرار لتسهيل عملية تحول البخار إلى قطرات ماء، مؤكدة أن عملية التقطير هي المرحلة النهائية في استخرج ماء الزهر الذي تسبقه عملية الجني وجمع الزهور، ثم تجفيف الزهر طوال يومين على الأقل حتى يفرز الزيت لتكون نكهته جيّدة.

خبرة 30 عاما
الخالة صوفية التي قضت أكثر من ثلاثين سنة في جمع الزهر وتقطيره، تقول إنها فخورة بعملها في هذا المجال الذي تعتبره مصدر رزقها الوحيد الذي ورثته عن أمها، حيث يفضل زبائنها -الذين يقصدونها من أماكن بعيدة- نكهة الزهر الذي تصنعه لجودته على الزهر المقطّر في المصانع.

وتضيف أن سكان نابل وأهاليها يعتبرون أن وجودهم لا يكتمل دون عادة تقطير الزهر، فشجيرة النارنج بزهرتها البيضاء ذات الرائحة الزكية، لها قيمة كبيرة وسر وحنين في عادات تلك المدينة التي تعد من أهم وأجمل الوجهات السياحية في تونس.

صوفية بن حميدة تستخرج ماء الزهر بالطريقة التقليدية (الجزيرة)

موروث ثقافي اقتصادي
من جهتها، تقول صليحة زياد (29 سنة) -وهي إحدى العاملات- للجزيرة نت إن موسم قطف الأزهار البيضاء لشجرة النارنج يبدأ مع حلول مارس/آذار، معلنة عن مناسبة أشبه بالأعياد السنوية كموروث ثقافي واجتماعي ضمن العادات والتقاليد الراسخة لدى أهالي مدينة نابل.

فضلا عن هذه العملية التقليدية لتقطير الزهر التي تعتمد بالأساس على استخراج مياه الزهر، تقوم ستة مصانع في محافظة نابل بطرق عصرية في استخراج ماء "الزهر" وزيته، إذ تعتبر هذه المحافظة من أهم المناطق المنتجة والمصدّرة لزيت النيرولي في العالم، وتم الاحتفال بأول معرض لـ"ماء الزهر" فيها سنة 1930.

النارنج.. أبو صفير.. الخشخاش
وتسمى شجرة النارنج أيضا بالخشخاش في الأردن، وبـ"أبو صفير" في لبنان، وهي شجرة تصنف من الحمضيات، وتشبه كثيرا شجرة البرتقال، غير أن ثمارها لا تؤكل بسبب مذاقها المر، وتستخدم زهورها البيضاء في مجالات عدة مثل الطبخ والتجميل، فضلا عن أن كلمة "زهر" تدل بالعامية التونسية على الحظ.

البشير عون الله رئيس الاتحاد المحلي للفلاحة والصيد البحري ببني خلاد في محافظة نابل، يقول للجزيرة نت إن صناعة الزهر في محافظة نابل تشكل مصدر رزق لأكثر من عشرين ألف عائلة وللعديد من الأهالي، وهو يقوي النشاط الاقتصادي في المنطقة، موضحا أن الدولة لا بد أن تشجع الشباب على استغلال هذه الموارد الطبيعية لإنتاج العطور الفاخرة وتصديرها.

النارنج يستعمل في مواد التجميل وفي تعطير الأكلات التقليدية (الجزيرة)

الذهب الأبيض
ويصف عون الله زهر النارنج بالذهب الأبيض، ويؤكد أن محافظة نابل تملك موارد طبيعية تضاهي الذهب، معبرا عن أمله في أن تعمل الدولة على تشجيع الشباب لتفعيل مشاريع في هذا المجال المربح ليصبح ثروة وطنية، مما يوفر دخلا مهما من العملة الصعبة لميزانية الدولة من هذه المواد الطبيعية والبيولوجية.

منافع واستعمالات
اختصاصيو التجميل يؤكدون أن زهر النارنج له العديد من المنافع الصحية، حيث يستعمل كثيرا في مواد التجميل وفي تعطير الأكلات التقليدية وصنع المرطبات، ويعطي للقهوة نكهة خاصة، كما يستعمل دواء ضد السعال وللعناية بالبشرة وحمايتها وللاسترخاء والنوم الهادئ وفي تحضير بعض الأدوية الجلدية.

وتغطي أشجار النارنج حوالي 350 هكتارا في محافظة نابل، فيها أكثر من 150 ألف شجرة نارنج تنتج سنويا بين 1000 و1200 طن من الزهر الذي يحول إلى ماء زهر عادي وماء بيولوجي، فضلا عن استعمالات زيت "النيرولي" النادر المستخدم في صناعة العطور الأكثر جودة في العالم.

رائحة كوب القهوة يفوح منه عطر زهر شجرة النارنج البيضاء، تملأ شوارع محافظة نابل حركة ونشاطا، ويتطلع شباب نابل لمزيد من دعم الدولة لتفعيل النشاط الاقتصادي في هذا المجال.

المصدر : الجزيرة