سر إمساكية ومدفع رمضان.. روايات متعددة بدأت من مصر

سر إمساكية ومدفع رمضان.. روايات متعددة بدأت من مصر

الصدفة وحدها جعلت المدفع وسيلة لمعرفة موعد الإفطار (بيكسابي)
الصدفة وحدها جعلت المدفع وسيلة لمعرفة موعد الإفطار (بيكسابي)

صفاء علي-القاهرة

رغم أنهما من العادات الرمضانية التي أوشكت على الاندثار عاما بعد الآخر، فإن مدفع وإمساكية رمضان من التقاليد الأصيلة للشهر الفضيل.

بدأت طقوس الاحتفال برمضان عن طريق إطلاق مدفع الإفطار أو الإمساك في القاهرة قبل نحو ستمئة عام، ثم انتقلت إلى الدول العربية واحدة تلو الأخرى، ورغم اندثارها في بعض المدن، فإنها ما تزال جزءا لا يتجزأ من الفلكلور الشعبي في العديد من الدول العربية، خاصة دول الخليج.

وتعددت الروايات عن بداية استخدام المدفع الرمضاني في مصر، إلا أن الآراء انحصرت في ثلاث، حسب الباحث وسيم عفيفي رئيس تحرير موقع تراثيات.

3 روايات لبداية المدفع
تعود الرواية الأولى إلى عهد الوالي المملوكي خوش قدم، حيث بدأ المدفع عمله سنة 869 هـجريا، بعد أن تلقاه هدية من ألمانيا، ومع غروب شمس يوم الأول من رمضان سنة 869 هـجريا، سمع المصريون دوي طلقة المدفع، فظنوا أنها إيذانا لهم بالإفطار، فاستحسنوا هذا التقليد الجديد، وصار طقسا شعبيا.

أما الرواية الثانية فهي تشبه الأولى، لكنها تعود إلى عصر محمد علي باشا، حيث بدأت عام 1811، وحين امتلك جيشه مدافع حديثة الصُنع أمر بإحالة المدافع القديمة للمستودعات، ووضع واحداً فقط في قلعته كتذكار لانتصاره.

وفي أحد أيام رمضان انطلقت من المدفع طلقة مع أذان المغرب، فظن الناس أنها كانت وسيلة لإعلامهم بموعد الإفطار وابتهجوا لذلك، ومنذ هذا الحين أمر الوالي بإطلاق المدفعية وقت الإفطار والإمساك.

المصريون أول من استخدم المدفع والإمساكية لمواقيت الصيام في رمضان (بيكسابي)

أما الرواية الثالثة -وهي الأشهر بين المؤرخين- فتعود إلى عصر الخديوي إسماعيل، حيث كان جنود الخديوي يُنظفون المدافع الحربية الموجودة بالقلعة، فانطلقت بالخطأ قذيفة من المدفع وقت غروب الشمس في رمضان، فاعتقد الشعب أنه تقليد حكومي جديد واستحسنوه.

وعندما علمت ابنة الخديوي الأميرة "فاطمة" بالأمر، أعجبت بالفكرة، وأصدرت أوامرها بأن تُطلق قذيفتين يوميا: الأولى وقت الإفطار، والثانية لحظة الإمساك، ومنذ ذلك الحين ارتبط المدفع بنجلة الخديوي إسماعيل فسُمِّي "مدفع الحاجة فاطمة".

ويضيف عفيفي أن المدفع استمر يعمل بالذخيرة الحية حتى عام 1859 ميلادية، حتى ظهرت الذخيرة الخُلَّبية "الفشنك".

ومع امتداد العمران حول قلعة محمد علي، وخوفا على مباني القلعة الأثرية، تم نقل المدفع إلى المقطم، وصوته يُسمع على شاشات التلفزيون وقت الإفطار والإمساك، إذ إن الارتباط به أصبح أمرا نفسيا لدى أغلب الناس الذين لا يتناولون إفطارهم إلا بعد سماع دويه. 

الإمساكية طقس إسلامي طوره يهودي
يقول الباحث وسيم عفيفي في حديثه للجزيرة نت إن إمساكية رمضان كانت بمثابة "مُنبه"، فكانت تحوي مواقيت الصلوات الخمس، وبدء الصيام، وتوقيت الإفطار والإمساك.

وجاءت تسمية إمساكية رمضان اشتقاقاً من الكلمة العربية "إمساك"، لتشمل إمساك الإفطار وإمساك الصيام، بمعنى التوقف الوقتي عن الصيام، وقبل عام 1798 ميلادية، لم تكن مصر على إلمام كبير بالتطور الذي بدأ يضرب جنبات الأرض.

ومع الاحتلال الفرنسي عرف المصريون -تحديداً العلماء- أصول الكتابة والنشر، ليدخلوا في الطباعة التي بدأها الفرنسيون بمطبعتهم في مصر، وعلى المدى البعيد وتحديداً في عهد محمد علي باشا، عرفت مصر إمساكية رمضان في العام 1262 هجريا الموافق سبتمبر/أيلول 1846 ميلاديا.

وجاءت تلك الإمساكية من مطبعة بولاق، وعُرفت بـ"إمساكية ولي النعم"، وتم طبعها على ورقة صفراء ذات زخرفة بعرض 27 سنتيمترا، وطول 17 سنتيمترا، وكُتِب في أعلاها "أول يوم رمضان الاثنين، ويُرى هلاله في الجنوب ظاهرًا كثير النور قليل الارتفاع، ومكثه خمس وثلاثون دقيقة"، وأُرفقت مع العبارة صورة الوالي "محمد علي باشا".

  إمساكية رمضان ظهرت في عهد محمد علي باشا ومرت بمراحل عدة قبل أن تصل إلى شكلها الحالي (الجزيرة)

أما أسفلها فكان جدولا كبيرا به مواعيد الصلاة والصيام لكل يوم من أيام شهر رمضان بالتقويم العربي. 

ثم تم توزيعها على دواوين الحكومة مع أمر لكل الموظفين بعدم الكسل والإهمال في العمل وعدم التراخي في توزيعها.

وتطورت الإمساكية الرمضانية من العشرينيات للأربعينيات على صور وأشكال وأغراض مختلفة، إلى أن تم استغلالها كوسيلة للدعاية للمنتجات والمحال التجارية، فكانت أول إمساكية للدعاية خاصة بمطبعة تمثال النهضة المصرية في رمضان من عام 1347 الموافق فبراير/شباط 1929 ميلادية، وأُعلن فيها استعداد المطبعة لطبع كافة الكتب.

ثم انتقلت الإمساكية لمرحلة الإعلان التجاري عن المنتجات والبضائع على يد رجل الأعمال اليهودي داود عدس، الذي طبع أول إمساكية لسلسلة محلاته في رمضان سنة 1364هـ الموافق أغسطس/آب 1945م، لكن اختلفت إمساكية عدس عن غيرها، كونها كانت مرفقة بمعلومات عن الصيام وفضله وأسباب فرضه، وأسفل هذه المعلومات إعلان دعائي لمحله وتوفر البضائع فيه.

وأعطت إمساكية داود عدس الفكرة لآخرين لطبع إمساكياتهم ذات الورق المُتعدد، فطور بعد ذلك أحد تجار العطارة إمساكية ضمت أحكام الصيام، وبعض الأدعية والآيات القرآنية وأذكار الصباح والمساء وأحكام زكاة الفطر وأجندة مواعيد في عام 1356 هجريا، نوفمبر/تشرين الثاني 1937 ميلاديا، وهو الطقس الذي ما زال متداولا حتى الآن.

وكان سر تميز إمساكية رمضان المطبوعة من محلات داود عدس آنذاك أنها كانت تُوزع على المارة في الشوارع والمصلين في المساجد، فضلا عن تطور شكلها عاماً بعد عام.

المصدر : الجزيرة