اللبادة اليدوية في المغرب.. تراث يأبى أن يندثر

اللبادة اليدوية في المغرب.. تراث يأبى أن يندثر

محمد بلخو يقوم بتدليك الصوف بالماء والصابون (الجزيرة)
محمد بلخو يقوم بتدليك الصوف بالماء والصابون (الجزيرة)

عزيزة بوعلام-مراكش

لا يحتاج محمد بلخو، وهو أحد أبرز حرفيي المغرب اليدويين في مجال صناعة اللبادة (صوف مدلوك بالصابون) إلى خلوة ينفرد فيها بنفسه خلال عمله.

بل يحرص على تقاسم تفاصيل ومراحل اللبادة مع زوار ورشته الذين يتأملونها وهي تتشكل أمامهم على مهل.

يتوقف أكثر من سائح أجنبي يراقب أنامل محمد تحول بدقة قطع الصوف إلى لبدة يستخرج منها أشكالا تشد الأنظار، وتتوزع بطريقة منظمة في كل زاوية من ورشته، في تناسق وتناغم يتوافقان مع إبداع ما صنعه وما سكب فيها من روحه وتفانيه في العمل.

داخل محله في قلب مجمع الصناعة التقليدية بمراكش، تخبرك القطع التي نسجها هذا العجوز بمدى مهارته في حرفة تراثية إذا ذكرتها في هذه المدينة النابضة حيوية وحركة ذكرت اسمه.

فن قديم
ويعد محمد أحد الحرفيين القلائل الذي يمتلك هذه المعرفة التقليدية، ويقول إنه ورثها من معلمه المنتمي لعائلة تنحدر من سجلماسة بواحة تافيلالت مارست هذه الحرفة لأجيال متعددة، وهو اليوم يعمل بجد ليحافظ على فن قديم يقول المهتمون إنه بدأ ينحسر في المنطقة.

وكانت اللبادة قد عرفت تطورا لافتا أواخر ستينيات القرن الماضي إلى أواخر السبعينيات، إذ تؤكد معطيات وزارة الصناعة التقليدية أن اللبادة كانت تمارس في أكثر من ستين دكانا بسوق اللبادين بمراكش، أما في السبعينات فلم يتبق سوى ثلاثين دكانا تقريبا تمارس هذا الفن، لكنهم حاليا يحسبون على رؤوس الأصابع في جميع ربوع المملكة.

تجذب السياح الأجانب الأوروبيين (الجزيرة)

يجلس محمد بكل ثقل سنين عمره داخل الورشة كل يوم، وينهمك في تصفيف قطع الصوف بعضها مع البعض على طاولة صغيرة، غير مبال بضوضاء وجلبة المارة أمام ورشته. وبحركة رتيبة يمضي في دلكها بقماش مبلل يمزج بالماء والصابون الأسود (البلدي) وهو يحفظ تصميمها في ذاكرته.

بين الفينة والأخرى "يسقي" طبقات الصوف بالمحلول الصابوني ذي الرغوة الكثيفة. ويكرر العملية بسرعة ودقة، حتى تتشكل شبكة من شعيرات شديدة الاندماج (تصير قطعة واحدة) بكيفية تدريجي، ليفرغ بعد ذلك الشكل ويصممه بكل دقة واحتراف.

ابتهج وجه محمد الذي يلفت الأنظار بطريقة ترحيبه واحتفائه بزبائنه، وبلهجة هجينة تجمع بضع كلمات بالإنجليزية والفرنسية، مضى يشرح تفاصيل ما يقوم به لسائح بريطاني كان يتابعه بشغف واهتمام، وهذه عادة يقول "إنه حافظ عليها وتطبع إيقاع يومه منذ إتقانه لقواعد هذه الحرفة التراثية".

بدا محمد مستمتعا بتفاعل السائح مع عمله، وقال للجزيرة نت -بصوت اختلط بصوت رذاذ ماء نافورة يتطاير في الهواء على مقربة من محله- إنه يحاول تطوير حرفته بالاجتهاد في تجديد استخدامات "اللبادة" في الأحذية والقبعات وحقائب اليد وغيرها. ولا يخفي فخره بأن منتجاته أصبحت من أنفس مقتنيات السياح الأجانب.

ولم يساوم السائح البريطاني عن سعر قبعة أبدى إعجابه بها، وقال إنه مغرم بمنتجات اللبادة اليدوية، لأنه يرى فيها تراثا عريقا يحب الاحتفاظ به للذكرى وكتعبير عن سحر المغرب.

استخدامات اللبادة بالأحذية والقبعات وحقائب اليد وغيرها (الجزيرة)

أصول وقواعد
لأكثر من ستة عقود ظل موعد محمد الملقب بـ "اللبايدي (اللباد) بأدواته البسيطة ثابتا لا يتغير، في مشهد تغذيه علاقة حب متبادل بينه وبين حرفة تراثية أصيلة تعد واحدة من عناوين التراث التقليدي بالمغرب.

ويؤكد هذا الرجل الملم بشؤون الحرفة وشجونها، أن لحرفته أصولا وفنونا. إذ تمر بمراحل لتأخذ شكلها الكامل، بدءا من تلبيد قطع الصوف بالماء والصابون و" تجبيد" أطرافها حتى تأخذ شكل المنتوج المطلوب، ثم تخليص اللبدة من المحلول الصابوني المشبعة به، فنشرها لتجف في الشمس، قبل أن تستخدم في تحضير سجادات أو ﻘﺒﻌﺎت، حقائب، أحذية وغيرها.

حين يتحدث إليك محمد وهو على أعتاب السبعين من عمره، تشعر أن حرفته هي حياته، لا يكل ولا يمل وهو يعمل طوال يومه لينسج لبدة واحدة يستخدم فيها أربعمئة كيلوغرام من الصوف، حاكته أيادي قرويات اشتغلت أناملهن بدقة بالغة لغسله، ومعالجته بـ "القرشال" لكي يصبح ناعما متشعب الشعيرات.  

ويتراوح ثمن الصوف بعد "معالجته" بين عشرة وأربعين درهما) من دولار إلى خمسة (حسب أنواع الصوف: الواد، حلوانة، العطارية، اللباطية، الدزة المغسولة، البروال، صوف الرأس).

تستخدم في الحرفة أدوات بسيطة جدا (الجزيرة)

وبشموخ، يقول أصدقاء محمد، إنه يقاوم لبقاء تاريخ حرفة اللبادة حاضرا في الذاكرة، ويدعمه في ذلك عشاق هذا التراث، رغم أن منتوجاته فقدت مكانتها لمصلحة منتجات النسيج الصناعي.

لا يعرف محمد أصل مهنته، لكن المراجع التاريخية تقول إنها من إرث الثقافة العثمانية، ومن هنا يبدو أنها ممارسة عمرها قرن على الأقل، بحسب باحثين في التراث التقليدي المغربي.

وكان اللبد قديما مخصصا لتحضير زرابي الصلاة، والطرابيش الحمراء التقليدية التي تميز لباس المخزن وموظفيه باستعمالها لتغطية الرأس، وسجادات السروج المخصصة لخيل الفنتازيا، ويتم توصيفه بأنه مادة عازلة، وغير نافذ للماء، وسهل الصيانة.  

ورغم الجهود الرسمية لإنعاش حرفة اللبادة كصنعة يدوية تراثية، ومساعي توثيقها لإبقائها تنبض بالحياة لتفادي فقدان تاريخها.

غير أن القلق على مستقبل الحرفة يثقل كاهل الصناع القلائل المزاولين لها، لعدم وجود متدربين جذبتهم حكاية الصوف الملبد.

ولا يزال محمد صامدا يتحدى ويخوض ملحمة عشق مع مهنته، في ورشة تحمل داخلها تفاصيل حكاية عمرها خمسين عاما من اللبادة.

المصدر : الجزيرة