ليست حكرا على العرق الفارسي.. فسيفساء من الأعراق تشكل إيران

ترکمان بملابس تقليدية (وكالة إيرنا)
ترکمان بملابس تقليدية (وكالة إيرنا)

محمد رحمن بور-طهران

في رحلة من جنوبي شرقي إيران إلى شمالي غربيها، يشعر المسافر أنه انتقل من قارة إلى أخرى، وليس من منطقة إلى أخرى داخل بلد واحد، بسبب تفاوت العيش وأسلوب حياة السكان في جهات بلاد فارس.

تعرف إيران بتنوع العرقيات واندماج القوميات مع بعضها بعضا طوال قرون سحيقة، ورغم ذلك حافظ جميعهم على عادات وتقاليد خاصة بهم.

يقطن إيران حاليا ما يقارب 82 مليون نسمة من مختلف الأديان واللغات والعرقيات، لكن لا توجد إحصائيات رسمية عن توزيع هذا العدد حسب تلك العرقيات، وذلك تأكيدا من السلطات على التمسك بمبدأ الوحدة الوطنية، رغم تعدد الديانات والمذاهب والقوميات المختلفة.

سكنت مختلف العرقيات في إيران منذ قديم الزمان، كالفرس والأتراك الأذريين والتركمان والأكراد والعرب والبلوش والـ"لر" والأرمن واليهود والكزخ والجورجيين والجيلك والتالش والمازني والـ"تات" والآشوريين والقشقايين، فضلا عن الطوائف المنبثقة منهم.

الفرس
وتتشكل الغالبية السكانية في إيران من العرقية الفارسية بنسبة 55% إلى 66% بحسب إحصائيات غير رسمية، يتوزعون في وسط البلد ضمن محافظات أصفهان ويزد وفارس وكرمان وخراسان وسمنان، ويتحدثون اللغة الفارسية.

كما أسست العرقية الفارسية العديد من الإمبراطوريات والديانات على مر التاريخ، وينتمي مجمل السكان الأصليين في إيران إلى العرقية الفارسية.

الآذريون
وتشكّل القومية الآذرية في إيران نحو 20%، يتحدثون اللغة الآذرية، وهي إحدى لهجات اللغة التركية. ويعد أغلبية الآذريين من الشيعة مع نسبة قليلة من السنة، ويوجد معظمهم في شمالي غربي إيران بمحافظتي آذربيجان الشرقية والغربية، وكذلك أردبيل وزنجان وهمدان وقزوين.

آذريون إيرانيون (مواقع تواصل)

وكانت دولة آذربيجان ضمن الأراضي الإيرانية سابقا، قبل انفصالها عنها خلال حروب الإمبراطورية الروسية بين عامي 1813 و1828. وللآذريين زيهم التقليدي مثل "كوينك" و"ديزليك" و"جبكن"، إضافة إلى الرقص الفولكلوري الآذري الشهير بسرعته ونظمه وإيقاعه.

التركمان
وتعد إيران ثاني أكبر دولة من حيث وجود التركمان في العالم بعد تركمانستان، وهم أحد الشعوب التركية التابعة لقبيلة "غز" أو "الأوغوز"، يتحدثون اللغة التركمانية ويقدر عددهم في إيران بـ1.5 مليون نسمة تقريبا.

وينتمي التركمان إلى الطائفة السنية الحنفية، ويتوزعون حاليا في محافظة جلستان على شاطئ بحر قزوين وبعض مناطق خراسان شمالي شرقي إيران.

تركمان إيرانيون (وكالة إيرنا)

واشتهرت المدن التركمانية مثل "كنبدكاووس" و"بندر تركمن" بمدن الألوان نسبة لأزياء النساء التقليدية الملونة، إضافة إلى ملابس الرجال وقبعاتهم الكبيرة. ويعتبر التركمان من أكثر العرقيات اهتماما بتربية الخيول وتنظيم مسابقات الفروسية في إيران.

الأكراد
يتوزع معظم الإيرانيين الأكراد غربي إيران على حدود كردستان العراق بمحافظات كردستان، وكرمانشاه، وإيلام، وآذربيجان الغربية، وشمال شرق خراسان، وينتمون بغالبيتهم إلى الطائفة السنية الشافعية، ويتحدثون اللغة الكردية.

أما سكان غربي إيران فيتحدث معظمهم اللهجتين السورانية والأورامية (الكردية)، أما سكان شمالي شرقي إيران فيتحدثون اللهجة الكرمانجية. وتعتبر إيران ثاني أكبر دولة بعد تركيا من حيث وجود القومية الكردية في العالم حيث تشكل بين 7% و10% من مجموع سكان إيران.

حفلة نوروز في مدينة مريوان الكردية في إيران (وكالة إيسنا)

ويتميز الأكراد في إيران بتواضعهم وحسن ضيافتهم، وتتجلى روحهم المرحة في ملابسهم الملونة التي يرتدونها في رقصاتهم التي توضح مدى الانسجام والترابط فيما بينهم.

العرب
يسكن معظم العرب في إيران في المحافظات الجنوبية على حدود العراق وفي الجانب الخليجي. ويتوزعون بغالبيتهم في محافظات خوزستان وبوشهر وهرمزجان. ويشكلون تقريبا 2% إلى 4% من مجموع سكان البلد، ضمن مختلف القبائل الموجودة هناك.

یتحدث العرب في إيران اللغة العربية مع لهجتهم الخاصة. وبالنسبة للملابس، يرتدي الرجال "الدشداشة" والشماغ، وتلبس النساء "الشادر"، بالإضافة إلى الملابس التقليدية الموجودة في إيران. وتنتمي غالبية العرب إلى الطائفة الشيعية الاثني عشرية وتنتمي فئة منهم إلى السّنّة.

مشاركة عرب إيران في إحدى جولات الانتخابات (مواقع تواصل اجتماعي)

ورغم وجود مجمل الثروات النفطية الإيرانية في تلك المناطق، فإن الفقر بات منتشرا فيها، حيث تفتقر مناطق السكان المحليين إلى التنمية والتطوير، كما تعاني من أزمات بيئية ومناخية كالجفاف والعواصف الرملية وتلوث الهواء.

ورغم مرور سنوات على الحرب العراقية الإيرانية، فإن معاناة الأهالي ما زالت مستمرة منذ حدوثها في مناطقهم.

البلوش
وفي الجنوب الشرقي وشرقي إيران على حدود أفغانستان وباكستان وبحر عمان، تنتشر عرقية البلوش الموجودين بكثرة في محافظة بلوشستان. وتأتي إيران في المرتبة الثانية بعد باكستان من حيث وجود القومية البلوشية.

أولاد البلوش في إيران يدرسون في إحدى الخيم (مواقع تواصل)

البلوش هم من أهل السنة الأحناف، يتوزعون على الحدود الشرقية لإيران حيث كانوا حراسا للحدود في تلك المناطق. ويشكلون 2% إلى 4% من مجموع السكان في إيران. يتحدثون اللغة البلوشية التي تعود أصولها إلى اللغة البهلوية (لغة فارسية قديمة).

اشتهر البلوش في إيران بلباسهم البلوشي "الجامك" و"باجامك"، وبملابس نسائهم المجركشة بعناية، كما يتميزون أيضا بالصفة البهلوانية والحماس اللذين لم يفارقا القومية البلوشية. ومن جهة أخرى يسكن البلوش في أكثر المناطق فقرا ويرزحون تحت خطه.

عرقية "لر"
لقومية "لُر" حكاية أخرى، إذ ترجع أصولهم إلى حضارة عيلام ما قبل الميلاد. وبسبب التقارب الجغرافي مع الأكراد، تأثروا بهم واختلطوا معهم، مما دفع البعض إلى تسميتهم بـ"الكرد الفيلية".

رقص اللُر في حفلة الزفاف (وكالة إيرنا)

يسكنون غربي إيران في محافظات لرستان وأبرزها هكيلويه وبويراحمد وجهارمحال وبختياري وخوزستان، ويشكلون حوالي 6% من مجموع السكان في إيران. وينتمي أغلبهم إلى المذهب الشيعي. يتحدث اللر بلغتهم اللرية، التي تعود أصولها إلى اللغة الفارسية القديمة.

يعتبر اللر من العشائر الإيرانية التي تستخدم السلاح وتجيد المحاربة. وتتميز ملابسهم التقليدية أو "جوقا" بأنها مصنوعة من الصوف، وكذلك الحذاء أو ما يسمى بـ"بكيوه"، وهذا ما يميزهم عن بقية القبائل.

الأرمن واليهود
وهاجرت أعداد كبيرة من الأرمن في إيران من منطقة أرمنستان (شمال غرب) خلال المعارك بين الدولتين الصفوية والعثمانية في تلك المناطق (1602-1620). ثم انفصلت أرمنستان عن إيران ضمن معاهدات مع الإمبراطورية الروسية في معاهدات جلستان (1813) وتركمنجاي (1828).

الأرمن في كنيسة وانك في مدينة أصفهان في اجتماع عشاء المقدس (وكالة إيرنا)

ويوجد معظم الأرمن في إيران في مدن تبريز وطهران وأصفهان، ويتبعون الكنيسة الأرثوذكسية ويتحدثون اللغة الأرمنية.

وكذلك القومية الآشورية التي تعود أصولها إلى آشوريي العراق، يقطنون في مدن مختلفة مثل تبريز وطهران وأصفهان وشيراز، ويتكلمون اللغة الآشورية، ويدينون بالديانة المسيحية. ویقدّر عدد المسيحيين الأرمن والآشوريين في إيران بين 120 و300 ألف شخص.

خلال إحياء ذكرى رحيل لخميني في كنيس في طهران (وكالة إيرنا)


أما اليهود أو "الكليميون" كما يطلق عليهم في إيران، فلديهم أكبر تجمع في الشرق الأوسط بعد الأراضي الفلسطينية المحتلة، ويتراوح عددهم في إيران بين 15 و30 ألف نسمة تقريبا، ويقطن أغلبهم في طهران وأصفهان و شيراز، ويتحدثون العبرية.

قوميات أخرى
أما على شاطئ بحر قزوين في شمالي إيران ومنطقة طبرستان، فتسكن أقوام جيلكي وتالشي ومازندراني وتاتي، ويشكلون تقريبا بين 6% و8% من مجموع سكان البلد.

ولكل قومية منها لغتها الخاصة، وتعود أصولها إلى لغات القوقاز وكذلك الفارسية البهلوية. وقد ساهمت المنطفة الخضراء بغاباتها الواسعة وأنهارها الجارية في دفع السكان نحو تنشيط العمل الزراعي والسياحي، إضافة إلى صيد الأسماك في بحر قزوين.

ويشكّل الشمال الإيراني عنصر مفاجأة للقادمين إليه، فمن خلال اندماج القوميات واللغات والأديان والمذاهب واختلاف أساليب الحياة وتنوع الملابس، جذب الملايين من السياح الداخليين وحول العالم، إضافة إلى مأكولات الشمال المتنوعة والشهية بالرمان ودبسه.

أطفال عرب في مهرجان قرقيعان في مدينة أهواز بإيران (وكالة إيرنا)

كذلك الأمر بالنسبة للقومية الجورجية، إذ تعود أصولهم إلى دولة جورجيا الحالية، ويتحدثون اللغة الجورجية، ودخلوا إلى إيران كأسرى بعد غزو الصفويين مناطقهم في جورجيا.

وبعد دخولهم إلى إيران، أسلم الجورجيون المسيحيون وانتشروا في مناطق مختلفة مثل شمالي إيران وطهران وأصفهان وشيراز، ويتراوح عددهم حاليا بين 30 و70 ألف نسمة تقريبا.

ودخل كزاخيو إيران البلاد في أوائل القرن الماضي، وسكنوا مع التركمان في محافظة جلستان المطلة على بحر قزوين. ويتزوج الكزاخيون من قبيلتهم فقط، كما أن أعراسهم تعد محل جذب للسياح. ويبلغ عددهم حوالي 15 ألف نسمة، وهم من المسلمين السنة في إيران.

وجود عشرات الطوائف والعشائر المنبثقة من الأقوام في إيران، رسم لوحة جغرافية وثقافية وتاريخية جميلة في البلد، وما يضاعف جمالها حقا اندماج هذه الأقوام بطوائفها المختلفة والتعايش مع بعضهم بعضا منذ نشأة هذا الشعب عبر التاريخ.

المصدر : الجزيرة
كلمات مفتاحية: