الإسكافي.. مهنة تواجه الاندثار في العراق

مهنة الإسكافي بلغت ذروة ازدهارها خلال فترة الحصار الذي فرض على العراق عام 1990 (الجزيرة)
مهنة الإسكافي بلغت ذروة ازدهارها خلال فترة الحصار الذي فرض على العراق عام 1990 (الجزيرة)

منار الزبيدي-بغداد

وسط الشارع في سوق شعبي مكتظ بالمارة في بغداد يجلس أبو إحسان الكعبي (55 عاما) كل صباح على كرسيه خلف طاولة بسيطة وضع عليها آلة خياطة صغيرة وأدوات ومعدات بسيطة ومجموعة من الأحذية والحقائب التالفة والقديمة، ليبدأ ممارسة عمله الذي اعتاد عليه منذ أكثر من ثلاثين عاما، بعد أن تعلمه من خاله وإخوته.

يقول الكعبي "بين الماضي والحاضر اختلفت مهنتنا وندر ممتهنوها، فلم يعد العمل فيها كالسابق بعد أن أغلق الإسكافيون محالهم وبسطاتهم الصغيرة وهجروها دون عودة".

ويضيف "لم يتبق إلا القلة من أولئك الأوفياء للمهنة الذين لا يمكنهم العمل في أي مجال آخر رغم محدودية ما يدره عليهم هذا العمل".

وخلال حديثة للجزيرة نت، استذكر الكعبي أيام زمان أو كما وصفها بـ"أيام الخير بالنسبة لمهنته" عندما كان العمل يأخذ منه كل وقته وجهده، فكان يضطر لأن يعطي زبائنه مواعيد متأخرة لتسليم أحذيتهم وحقابهم قد تصل إلى أكثر من خمسة أيام بسبب الضغط الكبير عليه من كثرة الزبائن.

وكان معظم فئات المجتمع من مثقفين وجنود وعموم الشعب يعدون من زبائن الإسكافي، إلا أن الوضع الآن لم يبق من زبائن ذلك "العصر الذهبي" سوى بعض الأسر الفقيرة، حسب الكعبي.

وحاليا، الأسر الفقيرة -خاصة كثيرة الأفراد- لا تستطيع شراء الأحذية الجديدة لأطفالها، وغالبا ما يتوارث الصغار أحذية الكبار، ما يضطرهم لإصلاحها عند الإسكافي.

كما بقي لدى الكعبي نوع آخر من الزبائن المتمسكين بحقائبهم وأحذيتهم، إما لكونها من طراز خاص أو لخصوصية معينة فيذهبون إلى الإسكافي بين فترة وأخرى لإدامتها واستخدامها أطول فترة ممكنة.

ومهنة الإسكافي تشبه بقية المهن من ناحية المهارات والإتقان، وغالبا ما يتم توارثها من الآباء والأجداد حتى يكتسب الإسكافي خبرته بمرور الزمن.

ولا يتطلب هذا النوع من العمل سوى معدات ومواد أولية رخيصة الثمن، أهمها آلات خياطة بسيطة وخيوط وإبر من نوع معين ومطرقة وسندان وقطع من الجلود الصغيرة ومواد أولية أخرى، كما يحكي الكعبي.

شمعة اعتبر أن مهنة الإسكافي في طليعة المهن التي تأثرت بطبيعة الظروف والتحولات التي حصلت في العراق (الجزيرة)

مهنة تنقرض
وحسب الباحث والمختص في الشؤون الاجتماعية سامر شمعة، فإن مهنة الإسكافي في طليعة المهن التي تأثرت بطبيعة الظروف والتحولات التي حصلت في المجتمع.

واعتبر شمعة أن العراق أنموذج للتحول بعد العام 2003، فقد تأثر نشاط هذه المهنة وغيرها بسبب الارتفاع الملحوظ في المؤشر الاقتصادي لصالح الفرد العراقي من حيث سوق العمل والأجور في القطاعين العام والخاص.

وأضاف أن الانفتاح التجاري في العراق على كثير من الدول أسهم بدخول العديد من السلع والبضائع المتنوعة التي أتاحت للفرد فرصة الشراء بشكل يسير ومناسب لقدرته الشرائية، ومن بينها الأحذية، الأمر الذي قلل الحاجة إلى الإسكافي.

وترى المواطنة نهال حمزة (35 عاما) أنه لا حاجة لإصلاح الأحذية القديمة، فالجديدة متوافرة في الأسواق ومتعددة الموديلات وبأسعار مناسبة، في حين أن الحذاء القديم مهما حاولت إصلاحه سيبقى قديما ولن يكسب مظهرا جديدا، معتبرة أن في إصلاحه مضيعة للوقت والمال.

وخالفتها والدتها، حيث تعتز بمقتنياتها القديمة من الأحذية والحقائب، وما زالت تستخدمها وتعيد ترميمها بين فترة وأخرى عند الإسكافي.

يذكر أن مهنة الإسكافي بلغت ذروتها وقمة ازدهارها خلال فترة الحصار الذي فرض على العراق عام 1990، والذي تضمن فرض عقوبات اقتصادية خانقة استمرت نحو 13 عاما انتهت بالغزو الأميركي على العراق عام 2003.

المصدر : الجزيرة