الأذان الأندلسي بالجزائر.. طابع فريد يصارع الزوال

طرق عديدة في أداء الآذان بالجزائر من بينها الآذان الأندلسي (الجزيرة)
طرق عديدة في أداء الآذان بالجزائر من بينها الآذان الأندلسي (الجزيرة)

فاطمة حمدي-الجزائر

بجلّابته البيضاء الباهتة (لباس تقليدي رجالي) والطّربوش القصير الأحمر وخمار على كتفه، يعتلي المؤذن مرزاق سباع مقصورة مسجد السّفير بالقصبة بقلب الجزائر العاصمة، وينادي "حي على الصّلاة" بطابع أندلسي عاصمي أصيل.

ويقول سباع إن المؤذن يعتمد في الأذان الأندلسي على نوبة "رمل ماية" أو ما يعرف "بنوبة الزيدان" (طابع غنائي يميز الموسيقى الشعبي في الجزائر) التي اشتهر بها الحاج محمد العنقي وبوجمعة العنقيس وغيرهما.

واشتهرت موسيقى الشعبي في الجزائر بما يعرف "بالقصيد" (قصائد مطولة في مختلف المواضيع الملتزمة) خاصة ما تعلق منها بالمديح والتغني بحب النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

وتقول أسماء ديدوح (28 عاما) "لا أشعر بنكهة رمضان دون سماع صوت المؤذن وهو ينادي ويستعرض صوته بذلك الطابع الذي تتميز به الجزائر عن باقي الدول الإسلامية". في حين يرى أسامة (ثلاثون عاما) أن "طريقة تأدية الأذان جزء من هوية المجتمع ولا ينبغي التخلي عنها.

تراث لامادي
ويتمسّك المؤذن بالمناداة للصلاة بالطريقة الأندلسية، ويرى مرزاق سباع أن ما ورثه عن سابقيه أمانة لا يجب أن يخونها، ويقول "الهوية واحدة من مقدّسات المجتمع وما تعلّمناه عن السّلف أن الأذان تراث لامادي مهمتنا الحفاظ عليه وتلقينه للجيل الذي يلينا".

ويضيف في حديثه مع الجزيرة نت "يختلف أداء المؤذن للطابع الأندلسي حسب ميوله وقدراته الصوتية، حيث لا يمكن لشخص بقدرات محدودة أن يتمكن من أداء الأذان بالطبعة الجزائرية، لأنها تعتمد على خامات صوت مميزة ومتعودة على سماعه وترديده".

ويشتهر في الجزائر عدد من "الطرق" في أداء الأذان، مثل الأذان الغرناطي المشهور في مدينة تلمسان بأقصى الغرب، والمالوف الذي تشتهر به عاصمة الشرق قسنطينة، والأذان الصحراوي الذي يشبه في أدائه أذان دول أفريقيا الوسطى.

واستنبط الأذان العاصمي بالجزائر من طابع الموسيقى الأندلسية، ويقول مرزاق "في عهد أبو الحسن العنتري في القرن الثامن تم نقل هذا الطابع للجزائر، حتى أن تكبيرات العيد مستوحاة من موسيقى الفلامينكو الإسبانية".

الأذان الأندلسي تراث لامادي بالجزائر (الجزيرة)

أسماء معروفة
واشتهر في الجزائر عدد من الشخصيات الفنية التي ارتبط اسمها بالأذان العاصمي الأندلسي، مثل محي الدين بشطارزي (رائد من رواد المسرح في البلاد)، والفنان التشكيلي محمد راسم، وبعده الشيخ البليدي، وغيرهم من الأسماء.

وافتقد الجزائريون الأذان بالطريقة العاصمية لسنوات عديدة، بعد أن مال الجيل الجديد إلى الأذان المشرقي الذي يحاكي في أغلبه الطرق التي يؤدي بها الأذان في الحرم المكي، ويرى الشيخ سباع في هذا السّياق أن "الجيل الحالي باشر العودة لتراثه الذي يعبر عن أصله.

وحول انتقاد البعض هذه الطريقة في أداء الأذان، واعتباره غنائيا، قال الشيخ سباع "المؤذن الذكي هو الذي يحافظ على الشّعرة الفاصلة بين هذا وذاك، ثم إن للأذان أحكاما لا يجب الخروج عنها كي لا ندخل في الغناء، والله جميل يحب الجمال ولا ضير في أن نبدع في الأذان دون المساس بالقواعد الشرعية".

ثمانية تكبيرات
وتداول نشطاء عبر مواقع التواصل الاجتماعي منذ بداية رمضان مقطعا للأذان بالطريقة العاصمية الأندلسية من قبل المسرحي محي الدين بشطارزي، متسائلين عن سبب تكراره التكبيرات ثماني مرات.

وفي هذا السّياق يرد مرزاق سباع قائلا "يعتمد المذهب الحنفي على تربيع التكبيرات، أما في المالكي فنأخذ بالترجيع والتكبير في الأذان، ولا يوجد مشكل شرعي في تكرار التكبير".

وثمن مرزاق سباع ما اعتبره حنين الشباب المؤذّن والأئمة وعامة الناس للأذان العاصمي، واعتبره إحدى إشارات الاستقلالية الثقافية، حيث يقول "كيف نشعر بأننا في الجزائر ونحن نؤذّن على غير هويتنا؟"

المصدر : الجزيرة