شاهد.. نيران "جبل ياورير" بالجزائر تعلم الصائمين بموعد الإفطار

شاهد.. نيران "جبل ياورير" بالجزائر تعلم الصائمين بموعد الإفطار

إعلام سكان القرى المجاورة لجبل ياورير بإشعال النار تداول عليه خمسة أشخاص منذ 1916 (الجزيرة)
إعلام سكان القرى المجاورة لجبل ياورير بإشعال النار تداول عليه خمسة أشخاص منذ 1916 (الجزيرة)

 إسلام عبد الحي-الجزائر

إذا كان المسلمون في بقاع العالم ينتظرون أذان المغرب للإفطار في شهر رمضان فإن سكان القرى المجاورة لجبل ياورير بولاية باتنة (500 كلم شرق العاصمة الجزائرية) لا يفطرون إلا عند رؤيتهم "نار المغرب".

ورغم التطور التكنولوجي المتسارع وانتشار المساجد يحرص العم صالح راقدي منذ 26 سنة على إشعال النار معلنا دخول وقت الإفطار طوال شهر رمضان، وهي عادة ألفها أهل المنطقة منذ ما يزيد على قرن ويقولون إن علاقتهم الروحانية بشهر رمضان هي ذاتها بهذه "الشعلة"، وإنهم غير مستعدين للاستغناء عنها.

الجزيرة نت رافقت العم صالح المكلف بإشعال "نار المغرب" وعايشت معه مراحل هذه العادة الرمضانية بكل تفاصيلها.

قبل ربع ساعة من موعد الإفطار يحمل العم صالح وسائل بسيطة تتمثل في قداحة وقليل من البنزين بالإضافة إلى التبن وينطلق في رحلة صعود جبل ياورير الواقع على علو 600 متر تحديدا إلى غار ياورير الذي يعد منطقة العمليات الخاص بإشعال نار المغرب (كلمة ياورير بالأمازيغية تعني التجمع السكاني).

لم يدم الأمر طويلا حتى حان أذان المغرب ورفعت معه ألسنة نار الشعلة يرافقها دخان يتصاعد في عنان السماء إيذانا بوقت الإفطار.
العم صالح يعلم الصائمين بموعد الإفطار بإشعال النار منذ 26 سنة (الجزيرة)

أكثر من قرن
يُرجع صالح راقدي الانطلاقة الأولى لـ"نار ياورير" إلى سنة 1916، وقال إن خمسة أشخاص تداولوا خلال هذه السنوات على إشعالها بمعدل 20 سنة لكل شخص.

ويضيف أن فكرة الشعلة بدأت بعد أن وجد أهل القرية صعوبة في سماع صوت المؤذن عند التقلبات الجوية وفي شهر رمضان وبعض المواعيد الدينية المهمة مثل عيد الفطر -السكان كانوا يجهلون موعده بالضبط- في ظل غياب وسائل إخبارية، مما حتم إيجاد فكرة تواصلية أشمل وأسرع انتهت بفكرة "الشعلة الرمضانية".

ويوضح العم صالح أن "نار ياورير" كانت توقد أثناء أذان المغرب في شهر رمضان وصباح يوم العيد أيضا، أما الآن فقد أصبحت تقتصر على أذان المغرب من شهر رمضان فقط.

النار والتكنولوجيا
اهتدى الإنسان عبر التاريخ الإسلامي إلى أفكار عديدة لإسماع صوت الأذان لأكبر عدد من المسلمين، وقدمت الهندسة المعمارية الإسلامية القباب التي استخدمت في تشييد بيوت اللّه لتقتحم الأجهزة الكهربائية هذا المجال وتقدم للمساجد ما تعرف بمكبرات الصوت التي يصل صداها إلى مسافة أطول.

ورغم التكنولوجيا والمعدات الحديثة المستخدمة في سبيل تبليغ صوت الإسلام ومعه صوت المؤذن فقد وقف الإنسان عاجزا أمام فكرة أقل بساطة وأكثر فاعلية ولا تتأثر بانقطاع الكهرباء ولا تطلب ربطا بهذه الشبكات الحديثة واهتدى إلى ما يصطلح عليها بـ"الشعلة النارية" التي تستخدم أساسا من أجل الإعلان عن موعد الإفطار في شهر رمضان.

وساهمت العوامل الجغرافية بشكل كبير في وقوف الشعلة بندية كبيرة أمام التكنولوجيا الحديثة، وساهم موقع جبل "ياورير" وطول الغار البالغ 15 مترا وارتفاع مدخله عن المترين في توسيع زاوية المشاهدة لسكان القرى المجاورة على مسافة مقدرة بحوالي 15 كيلومترا، مما جعل "نار أورير" تتفوق على مكبرات الصوت والتكنولوجيا.

غار ياورير
زاد نقل العم صالح موقع إشعال النار من مكانه القديم إلى مكان أعلى من جبل ياورير شهرة الشعلة وشكل إضافة نوعية لها مقارنة بالسابق.

 إعلام الناس بموعد الإفطار عبر إشعال النار ظل الوسيلة المفضلة لدى أهالي قرى جبال ياورير (الجزيرة)

وعن سبب تغيير مكان "الشعلة الرمضانية"، يقول العم صالح إن ارتفاع عدد السكان في القرية وزيادة عملية التشجير حتّما عليه البحث عن مكان مرتفع، وأنه كلما زاد الارتفاع زادت المساحة الجغرافية التي تغطيها النار وزادت نسبة الأشخاص الذين بإمكانهم رؤيتها.

ويضيف أن السبب الثاني وراء نقل إشعال النار إلى الغار هو حماية لهيب النار من الانطفاء في حالات الاضطرابات الجوية وسقوط الأمطار أو الثلوج.

ويرد العم صالح على استغراب الكثير من استمرار هذه العادة في عصر التكنولوجيا وانتشار وسائل الإعلام والاتصال كالمذياع والهاتف والتلفاز بالقول "التكنولوجيا معرضة لأخطاء تقنية، وتتأثر بانقطاع التيار الكهربائي بينما لا تؤثر على الشعلة، مما يزيد فعاليتها وبقاءها لسنوات أطول".

المصدر : الجزيرة