ارتفاع الأسعار وتذمر الزوجات.. لماذا تراجعت "عزومات رمضان" بمصر؟

ارتفاع الأسعار وتذمر الزوجات.. لماذا تراجعت "عزومات رمضان" بمصر؟

اعتاد المصريون تقديم أفضل ما لديهم على موائد الإفطار باعتبار ذلك مظهرا للكرم والحفاوة والتقدير (الجزيرة)
اعتاد المصريون تقديم أفضل ما لديهم على موائد الإفطار باعتبار ذلك مظهرا للكرم والحفاوة والتقدير (الجزيرة)

عبد الكريم سليم-القاهرة

"لم تعد الموائد عامرة بعدما باتت الجيوب خاوية"، هكذا فسر شريف تلقيه دعوتين فقط للإفطار خلال شهر رمضان المعظم، مؤكدا أن رمضان هذا العام هو الأقسى على المصريين، مع الارتفاع المضطرد في أسعار كل شيء.

يتذكر شريف أن رمضان الماضي شهد تلقيه أكثر من عشر دعوات على الإفطار من أقارب وأصدقاء، أما رمضان الحالي فلم يدعه على الإفطار إلا والداه مرة، وأسرة زوجته مرة أخرى.

يعتقد شريف -وهو رب أسرة من أربعة أفراد- أن العائلات باتت تلبي بالكاد احتياجاتها الأساسية، وليست لديها قدرة على تحمل المزيد من التكاليف، خاصة أن "عزومات" رمضان مرتفعة التكاليف مقارنة بالأيام العادية.

وقد اعتاد المصريون تبادل دعوات الإفطار (العزومات) بشكل مكثف في هذا الشهر، لكن الظاهرة اللافتة هي انخفاض معدلاتها عاما بعد آخر، لدرجة اقتصارها هذا العام على أقارب الدرجة الأولى فقط، وبالكاد أقارب الدرجة الثانية.

ويبدي علاء -وهو مدرس ورب أسرة متوسطة- ألما من قرب تلاشي هذه العادة الاجتماعية التي يثاب المرء عليها، استشعارا لضرورات صلة الرحم والقربى وتوكيد المودة بينهم، خاصة أنها كانت فرصة لإذابة المشاحنات والخلافات.

يؤكد علاء أنه لا مشكلة مادية لديه في تجهيز مأدبة تليق بدعوة أصدقاء وأقارب له للإفطار، لكنه لا يقدم على ذلك لقسوة أوضاع أصدقائه المادية الذين سيضطرون لرد المعاملة بالمثل، وهو ما سيكلفهم فوق طاقتهم.

الأسعار تسحق العادات
وقد اعتاد المصريون تقديم أفضل ما لديهم على موائد الإفطار، باعتبار ذلك مظهرا للكرم والحفاوة والتقدير، بما يعادل ميزانية عدة أيام من الإفطار لأسرة متوسطة. كما اعتاد المدعوون الدخول على أهل البيت المضيف بهدايا أو فواكه أو حلوى، وأقل قيمة لذلك أصبحت عبئا إضافيا في ظل ارتفاع الأسعار وانخفاض قيمة الجنيه المصري.

وترتفع أسعار المواد الغذائية -ولا سيما اللحوم الحمراء والبيضاء والأسماك- بشكل مبالغ فيه خلال رمضان، فضلا عن أن أسعارها الملتهبة بالأساس باتت محل شكوى معظم المصريين.

وفي مايو/أيار الماضي، قال البنك الدولي في بيان صحفي إن "حوالي 60% من سكان مصر إما فقراء أو أكثر احتياجا"، لكنه اعتبر أن الإصلاحات الاقتصادية التي تنفذها مصر تظهر علامات نجاح مبكرة.

ولا تنجو طبقة اجتماعية في مصر من هذا الانحسار لتلك العادة المحمودة، فقد لاحظ الصحفي والباحث هشام جعفر أنه بعد ثلاث سنوات ونصف من الغياب القسري عن المجتمع، وبعد مرور أكثر من ثلث رمضان، لم يتلق دعوة إفطار واحدة.

قبل الغياب -وكان جعفر معتقلا سياسيا- لم يكن يستطيع ملاحقة الدعوات الموجهة إلى أسرته.

ويبدي جعفر تفهما لمسألة الظروف الاقتصادية الضاغطة، مطالبا المصريين بمواجهة التحديات التي تدهمهم بمزيد من التراحم فيما بينهم.

وتابع في منشور له بصفحته الشخصية في موقع الفيسبوك "تأملوا معي قوله تعالى (والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل), والآية المقابلة: (والذين يقطعون ما أمر الله به أن يوصل)، تراحموا تصح نفسياتكم وأبدانكم".

الطعام يلتهم موازنة الكثير من العائلات المصرية (الجزيرة)

تذمر الزوجات
لكن غادة -وهي ربة منزل تعمل في شركة لخدمة العملاء- تفسر الظاهرة من جانب آخر، وهو تذمر الزوجات عاما بعد الآخر من الإنهاك الذي يسبق "العزومة" ويتلوها، فهي التي يقع عليها عبء إعداد طعام يكفي أسرتين أو أكثر.

وأوضحت أنه لا يمكن الاعتماد على الدعوات خارج المنزل لتخفيف العبء عن الزوجات، فالفرد الواحد يكلف حوالي مئتي جنيه (الدولار نحو 17 جنيها).

أما داليا -وهي ربة منزل- فتختلف عن غادة في أنها لا ترى بأسا في التعب من أجل إفطار صائمين، فهو ثواب على كل حال تؤجر عليه الزوجة، ويكفيها سعادة أن ترى استمتاع أهلها وضيوفها بصنع يديها.

غير أن الأزمة في أن الوقت في رمضان لا يكفي، وتأمل داليا في أن يعتاد المصريون تبادل الدعوات في أيام عادية غير رمضان، دون إرهاق ولا خوف من ضيق الوقت، مضيفة "والسنة بطولها ستكون فرصة أمام الجميع لتحضير عزومة جيدة أو ردها، دون اضطرار لشهر هو بطبيعته يحتاج نفقات إضافية ويعقبه عيد بتكاليف أكثر". 

أسباب اقتصادية واجتماعية
تقول استشارية العلاقات الأسرية والاجتماعية والنفسية عبير طلعت إن انخفاض التواصل الاجتماعي بين الأفراد بات ظاهرة لافتة للنظر في مصر، بعد أن كان من أكثر المجتمعات التي يسود فيها الترابط العائلي والتزاور وخاصة في شهر رمضان، مع شيوع التهادي والتصدق وبروز مظاهر حب الخير كتوزيع حقائب رمضان والاجتماع على الإفطار والسحور.

وترى طلعت أن غياب هذه الظواهر وراءه الانهيار الاقتصادي والتفكك الأسري وغياب دور كبير العائلة الذي يجمع الجميع حول مائدة إفطار واحدة.

ولفتت إلى أن هذه الأسباب ساهمت في مزيد من التفكك الاجتماعي وشيوع حالة من الكآبة والحزن تبدو ظاهرة جديدة على شعب اجتماعي كالشعب المصري، كان معروفا بأنه "ابن نكتة" أي محب للفكاهة في أقسى الظروف.

وحذرت من فقدان الشعب المصري لمناعته النفسية بسبب الضغوط المتواصلة، حيث سجل المصريون أعلى معدلات اضطرابات نفسية بنسبة أكثر من 25%، مما انعكس بالطبع بشكل كبير على الحياة الاجتماعية وقيم الأسرة.

ما حذرت منه الخبيرة الاجتماعية والنفسية يؤكده عصام الذي يعمل في الإمارات واعتاد قضاء شهر رمضان في مصر، حيث يلاحظ عاما بعد آخر تردي مستوى العلاقات على مدى السنوات الخمس الأخيرة، مضيفا "لم يعد المصريون هم أنفسهم الذين كان يعرفهم حينما غادر مصر قبل 11 عاما".

المصدر : الجزيرة