رغم قسوة الصحراء.. الراعي خليفة متشبث بمهنة الأنبياء

يجيل الراعي خليفة بصره في أرجاء "الزريبة" للاطمئنان على غنمه قبل الدخول إلى مضجعه لأخذ قسط من الراحة (الجزيرة)
يجيل الراعي خليفة بصره في أرجاء "الزريبة" للاطمئنان على غنمه قبل الدخول إلى مضجعه لأخذ قسط من الراحة (الجزيرة)

حياة بن هلال-تونس

في خيمته المنصوبة في عمق صحراء الجنوب التونسي، يستيقظ الراعي خليفة عند السحور لتناول وجبته المتكونة من حليب طازج وجبن بلدي وخبز "الملة" الذي يعده بنفسه، استعدادا ليوم رعي جديد.

ينتهي من تناول سحوره ويصلي، ثم يبدأ في هش أغنامه بعصاه قصد إيقاظها فقد حان وقت الرعي قبل شروق الشمس خوفا من العطش وشدة حر الصحراء في النهار.

لم يثنه الصوم عن مزاولة مهنته التي ورثها عن أجداده، فهي مهنة يفتخر بها وهي مصدر رزقه، فضلا عن راحة البال والابتعاد عن ضوضاء المدن ومشاكل الحياة اليومية فيها، حسب قوله.

البراميل التي تسقى منها الغنم (الجزيرة)

يوميات في البراري
"اس، اخ، اش"، بتلك الأصوات تستيقظ الغنم الواحدة تلو الأخرى في سرب منظم فتخرج من الزريبة ببطء تبتعد عن المراح -المكان الذي تبيت فيه- وتتهادى بين ربوع الصحراء الشاسعة بحثا عن الكلأ.

يسرع خليفة الخطى وراء غنمه يرتدي بنطلونا تقليديا واسعا ويلف لحافا يسمى "الكشطة" على رأسه يقيه شمس الصحراء اللاذعة، حاملا عصاه التي يستعين بها في تحديد مسار غنمه لتبقى تحت أنظاره، خوفا عليها من ذئب قد يكون متربصا بها.

بعفوية وبساطة أهل الصحراء يروي خليفة للجزيرة نت مغامراته وكلبه الوفي مع الذئاب مادحا كلبه البطل كما سماه، يقول "أنقذ هذا الكلب الغنم في أكثر من مناسبة من هجوم الذئاب... وأنا مدين له".

نحو مناطق أكثر اخضرارا
يسير خليفة بغنمه نحو مناطق أكثر اخضرارا قصد تغذية غنمه مما تدره الصحراء من عشب بري يتكاثر عند نزول الغيث، وإلا فإنه يلجأ للأعلاف إذا كانت كمية الأمطار قليلة أو في سنوات الجفاف.

يقول إن الأعشاب أكثر نفعا من الأعلاف على القطيع، فهي سرعان ما تظهر على صحة الغنم ونمو صغارها، كما تساهم بشكل كبير بإدرار الحليب إضافة لكون لحم الضأن الذي يرعى في الصحراء ألذ بكثير من غيره.

بعد ست ساعات متواصلة من الرعي تشبع الغنم فيعيدها لحظيرتها (الجزيرة)

أحس بشبعها وجوعها
سهول وأودية وهضاب يقطعها يوميا رفقة أغنامه دون كلل، يصفر ويغني أغاني وأشعار شعبية تطرد عنه الملل وتروح عن نفسه، يجول ببصره على كامل القطيع، فهو يعرفها واحدة واحدة ويفتقد حتى الصغيرة منها إذا تأخرت أو ابتعدت عن المكان، وبتصفيرة (صوت صفير يطلقه الراعي) منه تأتي راكضة لتلتحق بالقطيع.

يراقب خليفة بطونها وهي تمتلئ شيئا فشيئا، فترى على محياه علامات الفرح والرضا، فلن يرتاح باله حين يعود إلى محط رحاله وبطون غنمه خاوية، يقول للجزيرة نت "أحس بشبعها وجوعها ولا أستسيغ الأكل إذا كانت جائعة".

مهنة الأنبياء
بعد ست ساعات متواصلة من الرعي تشبع الغنم فتبحث كل واحدة منها عن ظل تنام فيه لتجتر ببطء ما أكلته، حينها يدرك خليفة أن وقت العودة قد حان، فينادي كلبه ويقفل راجعا تتبعه الشويهات الواحدة تلو الأخرى.

أغلق باب الزريبة وجال ببصره في أرجائها قبل دخول خيمته المتواضعة، بدأ يحس بالجوع والعطش ولا بد من قيلولة يسترجع بعدها طاقته ليبدأ في تحضير وجبة الإفطار عند الاستيقاظ.

يستيقظ خليفة عند الساعة الخامسة مساء تقريبا، فساعته البيولوجية لا تخطئ أبدا كما يقول، يجمع الحطب ويحضر لوازم الإفطار في سرعة ونشاط لا مثيل لهما، ثم يضع القدر على الموقد وينتظر حتى تنضج الأكلة.

الأغنام في الزريبة تنتظر موعد الرعي المسائي (الجزيرة)

موعد الإفطار قريب
في الأثناء يذهب لجلب الماء من البئر المجاورة فيسكبه في جرة الفخار ليبقى باردا إلى موعد الإفطار، ويرفع الوجبة عن النار ثم يغطيها في ركن من أركان الخيمة بغطاء محكم خوفا من تسلل الحشرات والزواحف.

يقول للجزيرة نت "بعد أن أتأكد أن جميع لوازم الإفطار جاهزة أملأ البراميل بالماء ثم أطلق سراح الغنم لتشرب ومن ثم أستأنف الرعي مجددا، فالنهار طويل وها قد بدأ ثغاؤها يتعالى، لكن لن أبتعد كثيرا عن المرعى فموعد الإفطار قريب".

رغم مشقة المهنة وندرتها في أيامنا هذه، فإن خليفة لم يتخل عنها وهو سعيد بمهنة الرعي "مهنة الأنبياء"، التي فيها من صفاء النفس والهدوء والحكمة والخير الكثير كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لأم هانئ "تخذي غنما تروح بخير وتغدو بخير".

المصدر : الجزيرة