نقل العاصمة الإندونيسية.. هل سيُنجز بعد عقود من التأخير؟

الرئيس الإندونيسي جوكوي يزور مناطق مرشحة لأن تكون العاصمة الجديدة بإقليم كاليمنتان الوسطى (مواقع التواصل)
الرئيس الإندونيسي جوكوي يزور مناطق مرشحة لأن تكون العاصمة الجديدة بإقليم كاليمنتان الوسطى (مواقع التواصل)

صهيب جاسم-جاكرتا

أنهى الرئيس الإندونيسي جوكو ويدودو زيارة لبعض محافظات إقليمي كاليمنتان الوسطى والجنوبية الواقعة جغرافيا في قلب جزيرة بورنيو، للاطلاع ميدانيا على عدد من المناطق المرشحة لتكون موقعا للعاصمة الإدارية الجديدة لإندونيسيا، ويرى الرئيس وفريقه أن إقليم كاليمنتان الوسطى هو الأكثر جاهزية من حيث المساحة ليكون مكانا لتشييد العاصمة الجديدة، حيث أكد مسؤولون محليون للرئيس توفر أراضٍ بمساحة 300 ألف هكتار.

ويتصف إقليم كاليمنتان بأنه ليس مكتظة بالسكان، وجزيرته المعروفة باسم بورنيو هي أكبر جزيرة في آسيا وثالث أكبر جزيرة في العالم، وتتقاسمها ثلاث دول، يشكل الجزء الإندونيسي منها 73%، في حين أن الباقي أراض ماليزية و1% لسلطنة بروناي.

وجغرافيا تتوسط كاليمنتان الجزر الإندونيسية وتكون أقرب لدول جنوب شرق آسيا شمالا، كما أن بورنيو هي الأقل تعرضا للزلازل مقارنة بالجزر الإندونيسية الأخرى، حسب النظريات العلمية والسجل التاريخي للزلازل، لكن تلك المساحات الخالية إلا من قليل من السكان تتطلب بناء المرافق الأساسية والبنية التحتية من الصفر حتى تكون مؤهلة لتصبح عاصمة بموظفيها تخدم بلدا قارب عدد سكانه 270 مليون نسمة.

الانتقال من جاكرتا يعود لأسباب قائمة منذ عقود، أولها اكتظاظ جاكرتا التي تجاوز عدد سكانها 10 ملايين ليلا، وملايين آخرون يحيطون بها في المحافظات التي يقطنها كثير من الموظفين في العاصمة، والاختناقات المرورية، والفيضانات التي تتعرض لها من حين لآخر، علاوة عن عجزها عن مواءمة متطلبات الزيادة السكانية، مما دفع كثيرين إلى السكن في محافظات تقع إلى الجنوب أو الشرق أو الغرب منها، وبتوجه هؤلاء للعاصمة يوميا يزداد عدد سكانها لنحو 12 مليونا خلال النهار.

وكان أحد الخيارات المطروحة الانتقال لمنطقة داخل جزيرة جاوا نفسها، ليكون هناك طريق بري بين العاصمة الإدارية الجديدة وجاكرتا، لكن جاوا تظل الأكثر اكتظاظا بالسكان في إندونيسيا ويقطنها نحو 160 مليون نسمة (نحو 60% من السكان) رغم أنها أقل مساحة من الجزر الكبرى الأخرى بالبلاد.

أثار حديث الرئيس جوكوي عن العاصمة جدلا بين الأوساط السياسية وعامة الناس (مواقع التواصل)

تمويل الانتقال.. دين أم إنفاق من الموازنة أم بيع لأصول؟
إذا ما سعت الحكومة لتنفيذ خطة نقل العاصمة فأول الأسئلة المطروحة تتمحور حول التمويل في ظل تراجع معدل النمو الاقتصادي وارتفاع ديون إندونيسيا الخارجية إلى مستوى غير مسبوق بتاريخها، حيث بلغت مطلع العام -حسب أرقام المصرف المركزي الإندونيسي- 388.7 مليار دولار أميركي، يتقاسمها القطاعان الحكومي والخاص، فهل سيستلزم بناء عاصمة جديدة الاقتراض مجددا من دول كسنغافورة والصين والولايات المتحدة واليابان، وهي أكبر أربع دول دائنة لإندونيسيا؟ أم تتقاسمها الحكومة مع القطاع الخاص وأطراف أخرى تساهم في الإعمار، الذي يكلف 34 مليار دولار حسب تقديرات أولية لهيئة التخطيط والتنمية الوطنية الإندونيسية، وقد ترتفع الكلفة الفعلية لأكثر من ذلك؟

وأحد الخيارات اللافتة المطروحة إعلاميا من قبل أحد المسؤولين بيع أصول الحكومة المركزية في العاصمة الحالية جاكرتا، والاستفادة منها في تشييد العاصمة الإدارية الجديدة، وقد تكون النسخة النهائية المعتمدة من الخطة الخمسية القادمة (2020-2024) متضمنة مخصصات للبدء بمشروع نقل العاصمة.

وأثار حديث الرئيس جوكوي عن العاصمة جدلا بين الأوساط السياسية وعامة الناس، في ظل انقسام مجتمعي بين مؤيديه ومؤيدي مرشح المعارضة، وقبل نحو أسبوعين من الإعلان النهائي والرسمي عن نتائج الانتخابات التشريعية والرئاسية التي أجريت يوم 17 أبريل/نيسان الماضي، وقبل أن تبدأ الحكومة بأي خطوة تنفيذية، فإن دراسات معقمة من المفترض أن تنجز بشأن المناطق المرشحة لتكون مكانا للعاصمة الجديدة في جزر كبرى منها كاليمنتان وسولاويزي وسومطرة، وذلك بالتشاور مع أعضاء البرلمان الجدد الذين تم انتخابهم بالاقتراع الأخير.

وتحدث معارضون، ومنهم فخري حمزة نائب رئيس البرلمان، عن ضرورة إنهاء ملفات مالية ومشاريع ترتبط بهموم الناس قبل التفكير في نقل العاصمة، ومنها معالجة قضايا اقتصاد الطبقة الفقيرة والمتوسطة، ورفع رواتب المعلمين.

ويتطلع كثيرون لدعم مشاريع الفلاحين وأنشطة الصيادين، وتعزيز المنظومة التعليمية، وتحسين أداء الضمان الصحي للمواطنين، فهناك إشكالات عديدة متعلقة بهذا البرنامج من قبيل التأخر في سداد ما على الحكومة للمؤسسات الصحية من مستشفيات وشركات أدوية كالقرض غير المدفوع لشركة كيميا فارما للصناعات الصيدلية رغم أن القرض لا يتجاوز 28 مليون دولار.

ليست بالأمر الملح أو المستعجل
من جانبه قال الخبير الاقتصادي والبرلماني السابق إحسان الدين نورسي للجزيرة نت إن نقل العاصمة قد يستغرق جيلين أو عشرات السنين، لا سيما وأن الأمر مرتبط ببناء عشرات الآلاف من الهكتارات بالمكاتب والأحياء السكنية والمجمعات التجارية.

وأشار لاحتمال اختيار كالمينتان لتكون مكانا للعاصمة المستقبلية، وحول قدرة الحكومة الحالية على إنجاز المشروع يؤكد إحسان الدين نورسي على أهمية شمول التخطيط البعد القيمي للعاصمة الجديدة، وألا تصبح واحدة من كبرى المدن لكنها خاوية قيميا وسياسيا، فهناك حاجة لتحسين النظام السياسي القائم وقيمه بالمعاملة ضمن مخطط شامل لنقل العاصمة يتناول الأمر من كل جوانبه.

ويرى محلل الخطاب السياسي من جامعة إيرلانغا بمدينة سورابايا في تصريح صحفي له أن نقل العاصمة ليس بالحاجة الملحة بالنسبة لإندونيسيا، وأن هناك حاجة لتطوير وتنمية مختلف المناطق في البلاد حتى لا تظل حركة المال والأعمال متركزة بجاكرتا، كما هي الحال اليوم، وأن تعمل الحكومة على توزيع الموازنات بشكل لا يتسبب بفوارق تنموية بين المناطق. 

 اشتراط مواصفات معينة بموقع العاصمة الإدارية الجديدة، منها طبيعة سكان المنطقة وتقبلهم للفكرة ولقدوم آخرين لمنطقتهم (مواقع التواصل)

فكرة قديمة.. هل تستغرق عقدا أو عقدين لتنفيذها؟
وليس مسعى الانتقال بالفكرة الجديدة، فقد طرحت أيام الاستعمار الهولندي، ثم طرحها أول رئيس لإندونيسيا سوكارنو عام 1957 لكن الأوضاع الاقتصادية والسياسية أجلت تنفيذ الفكرة، وفي ذلك الوقت كانت الحكومة تخطط لجعل بالانغكارايا في وسط كاليمنتان عاصمة جديدة، قرب المكان الذي زاره الرئيس جوكوي خلال الأيام الماضية.

وعادت الفكرة لتطرح مجددا بعهد الرئيس سوهارتو، ورغم طول حكمه فإنه لم ينجزها، مع أن المنطقة المقترحة كانت قريبة من العاصمة الحالية باتجاه محافظة بوغور جنوبا.

عام 2010 طرح الرئيس الأسبق سوسيلو بامبانغ يوديونو خيارات الانتقال للدراسة والبحث، لكن المشروع لم ينجز خلال عقد من حكمه.

وكان نائب الرئيس الإندونيسي يوسف كالا تحدث عن اشتراط مواصفات معينة بموقع العاصمة الإدارية الجديدة، منها طبيعة سكان المنطقة، وتقبلهم للفكرة ولقدوم آخرين لمنطقتهم، وتوسطها خريطة إندونيسيا، وأن تكون أقل تعرضا للكوارث لا سيما الزلازل والفيضانات والبراكين، وأن تكون الأرض المستهدفة ملكا للدولة أو لشركاتها تقليلا لكلفة الإعمار.

وألا تكون بعيدة عن السواحل وليست قريبة من حدود البلاد مع الجيران، وأن تكون بها موارد مائية كافية، ويظل الشرط الأخير المتعلق بالبنية التحتية ووجود مطار وميناء وشبكة اتصالات جيدة بالمنطقة محل نقاش، ويصعب أن تتوفر كل تلك الشروط والمواصفات في منطقة واحدة.

وتوقع يوسف كالا أن يستغرق تنفيذ المشروع وإنجازه بشكل كامل بين 10 و20 عاما، لأن الأمر مرتبط بنقل مؤسسات الحكومة المركزية من رئاسة ووزارات وبرلمان ومجلس شيوخ ومحكمة دستورية وغيرها، والأمر يستلزم -حسب تقدير كالا- انتقال نحو مليون ونصف المليون موظف حكومي وعائلاتهم، وهو ما يعني الحاجة لنحو 400 ألف وحدة سكنية جديدة، وإنجاز ذلك لن ينتهي بوقت قصير.

المصدر : الجزيرة